‫الرئيسية‬ مقالات سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب

شيء للوطن م صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”، حيث تُصبح إعادة البناء ليست مجرد خيار لترميم ما انكسر، بل فرصة ذهبية لتصحيح أخطاء العقود الماضية. بالنسبة للسودان، كشفت الحرب الأخيرة عورة النظام الإداري والتقني؛ فقد فُقدت سجلات، وتضررت قواعد بيانات، وتاهت حقوق المواطن بين ركام الأرشفة الورقية والأنظمة البدائية. في قلب هذا المشهد، يبرز المركز الوطني للمعلومات ليس كمجرد إدارة حكومية، بل كحجر زاوية للأمن القومي والاقتصادي في عصر الذكاء الاصطناعي.

إن الحديث عن المركز الوطني للمعلومات اليوم هو حديث عن “الحاكمية” المفقودة، وعن ضرورة تحويله من كيان استشاري هامشي إلى سلطة سيادية تقنية تقود قاطرة التحول الرقمي بقرارات جريئة لا تقبل المحاصصة أو الترهل.

أكبر معضلات الدولة السودانية تاريخياً هي “تفتت الصلاحيات” وكسر “عش الدبابير، فنجد كل وزارة أو مؤسسة أكاديمية تعمل كجزيرة منعزلة؛ لها معاييرها الخاصة، ودوميناتها (Domains) المتناثرة، وتصاميم مواقعها التي تفتقر لأدنى معايير تجربة المستخدم (UX).

إن “الحاكمية الرقمية” تعني أن يمتلك المركز الوطني للمعلومات السلطة القانونية لفرض هوية رقمية موحدة للدولة. لا يعقل أن يحتاج المواطن لـ “كتالوج” ليفهم كيف يستخرج شهادة من جامعة أو معاملة من وزارة. التجربة السعودية والصينية تثبت أن النجاح يبدأ بفرض نمط موحد، وقوائم معيارية، وإلزامية الدومين الوطني السوداني .SD، بحيث يشعر المستخدم بالثقة والأمان بمجرد دخوله أي منصة حكومية.

يعاني القطاع العام من ترهل وظيفي وغياب الصلة بين التخصص والمهام الموكلة. من الكوارث التقنية أن نجد إدارات تقنية في جهات سيادية يرأسها أشخاص “لا علاقة لهم بالتقنية”، مما جعل مشروعاً حيوياً مثل “التعليم الإلكتروني” يترنح لسنوات.

المطلوب الآن: منح المركز دوراً أساسياً في لجان التوظيف التقني، فلا يتم تعيين مدير تقنية معلومات في أي مؤسسة حكومية إلا عبر معايير يضعها ويشرف عليها المركز، بالاضافة الى ضرورة تطهير القطاع من الترهل، ففي عالم الذكاء الاصطناعي العبرة بجودة “الكود” وسرعة الاستجابة، لا بعدد السنين المقضاة خلف المكاتب. يجب أن تكون متطلبات “التحول الرقمي” هي المسطرة الوحيدة للبقاء في المنصب.

كشفت الحرب هشاشة مرعبة؛ غياب أنظمة النسخ الاحتياطي (Backup) والتعافي من الكوارث (Disaster Recovery) أدى لضياع سنوات من الجهد المؤسسي. المركز الوطني للمعلومات يجب أن يكون هو “الخزينة المركزية” والجهة الرقابية التي تضمن أرشفة بيانات الدولة في سحب حاسوبية (Cloud) مؤمنة ومشفرة، مع الفصل الواضح والحاسم بين القطاعات العسكرية/الأمنية والقطاع المدني لضمان سلاسة الخدمات دون المساس بالأمن القومي، وأمن البيانات والأرشفة هو الدرس القاسي من الحرب

في بروتوكولات المؤشر الوطني للرقمنة، معروف ان ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته، ولا يمكننا الانتظار لسنوات لنعرف هل نجحنا أم فشلنا. يجب إطلاق “مؤشر وطني لتقييم الرقمنة” تحت إشراف المركز، يقوم بتقييم المؤسسات دورياً بناءً على نسبة تحويل الخدمات من ورقية إلى رقمية. وسهولة الوصول للمعلومات، الى جانب الالتزام بالسياسات الأمنية والنمطية الموحدة. هذا المؤشر سيخلق حالة من التنافس الإيجابي ويضع المسؤولين امام مسؤولياتهم التقنية بشكل مباشر.

خلاصة القول: إن استعادة هيبة الدولة السودانية تبدأ من استعادة “بياناتها” وتنظيمها. المركز الوطني للمعلومات يحتاج إلى “سند سيادي” يمنحه القوة لفرض النظام على الفوضى الرقمية الحالية. نحن لا نتحدث عن رفاهية، بل عن ضرورة بقاء في عالم لن يعترف بالدول التي لا تملك “هوية رقمية” رصينة.

‫شاهد أيضًا‬

سردية الدولةُ … وصدى الخدمةُ المدنيةُ 

أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن… ليس أن يفسد بعض مسؤوليه بل أن تتحول مؤسساته إلى مسرحٍ… تُدار في…