حرب الشرق الأوسط الجديدة… من يكتب قواعد الأمن الإقليمي؟
د. لبابة عبدالرحيم منير علي الشريف

هذه الحرب ليست حرب الولايات المتحدة الأمريكية
ان الحرب الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، بما يضمن تفوق إسرائيل ويعيد ترتيب الأولويات الإقليمية وفق رؤية جديدة بل ويمهد الطريق لظهور دولة إسرائيل بحدود اوسع مستقبلا.
فالحرب الحالية في جوهرها ليست معركة حدود أو مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي صراع عميق حول من يملك حق تعريف الأمن الإقليمي، ومن يفرض قواعد الاشتباك في شرق أوسط تتآكل فيه التوازنات القديمة لتتشكل بدائل جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة لسنوات طويلة قادمة وهنا يظهر الدور الاسرائيلي.
ففي ظل الأحداث المتسارعة والمتلاحقة التي يشهدها العالم، من تغير لتطورات هذه الحرب بين لحظة وأخرى، وتشابك السيناريوهات في محاولة لفهم مسارها الحقيقي. ينظر اليها اغلب المحللون على أنها مخطط أمريكي جديد لإعادة السيطرة الكاملة على المنطقة العربية، خاصة منابع النفط وممرات الطاقة، وأن واشنطن تخوض هذه المواجهة فر الاساس لتحقيق هدف استراتيجي نهائي يتمثل في تثبيت هيمنتها العالمية. في المقابل، يذهب آخرون إلى أن هذه الحرب قد تمثل بداية تراجع القوة الأمريكية، بينما يرى فريق ثالث أنها قد تؤدي إلى عودة الولايات المتحدة كقوة أحادية مهيمنة، مع إضعاف دور كل من الصين وروسيا في معادلة التوازن الدولي.
غير أن القاسم المشترك بين أغلب هذه التحليلات هو تركيزها على البعد الأمريكي والإيراني اكثر من اسرائيل التي تعتبر الطرف الأساسي في معادلة الصراع ، فالولايات المتحدة ظلت تسيطر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منابع النفط في المنطقة، خاصة منذ حرب العراق، ولم تكن بحاجة إلى حرب جديدة من أجل النفط بعد حرب العراق وان تبنيها ل قضية البرنامج النووي الإيراني ترجع بالأساس الى انها تعتبره تهديد وجودي للجانب الإسرائيلي.
ولكن فى الحقيقة نجد ان الدور الاسرائيلي هو الدور الاساسي في هذه الحرب فلا يمكن فهم هذه الحرب دون التوقف عند الدور الإسرائيلي، الذي يبدو أكثر حضوراً في خلفية المشهد مما يظهر في واجهته. فعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لم تكن مجرد حدث سياسي عادي، بل جاءت في سياق تحولات داخلية وخارجية معقدة لعب فيها اللوبي الصهيوني الامريكي دورا كبيرا، فبالرغم مما أحاط بفترته الأولى من أزمات و اخفاقات وخلافات غير مسبوقة في التاريخ السياسي الأمريكي ومع ذلك عاد الى السلطة . فلقد ظل ترامب الشخصية الأقرب لتنفيذ الرؤية الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما ظهر بوضوح في قراراته السابقة، وعلى رأسها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهي خطوة شكلت تحولاً استراتيجياً في مسار الصراع، فكان لابد ان يعود، بتأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ،خدمة للقضايا المرتبطة بأمن إسرائيل وترتيبات الشرق الأوسط.
إن الهدف الأعمق لهذه المواجهة لا يقتصر على مواجهة إيران أو احتواء نفوذها، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة صياغة النظام الإقليمي العربي على أسس جديدة تنطلق من ميزان القوة والواقع المفروض، بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في آن واحد. فالصراع الدائر ليس فقط على الثروات، بل أيضاً على هوية المنطقة وطابعها السياسي والحضاري، في ظل مشاريع تسعى إلى فرض نظام إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل الطرف الأكثر استقراراً وقوة.
إسرائيل هي المستفيد الأكبر من هذه الحرب، سواء من خلال التخلص من تهديدات أمنية مزمنة، أو عبر فتح المجال أمام ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة تساعدها على تجاوز أزماتها الداخلية، وتعزز مكانتها كقوة مركزية في المنطقة.
وفي النهاية، فإن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية-الإيرانية قد تقود إلى أحد مسارين لا ثالث لهما: إما توازن ردع جديد يعيد ضبط قواعد القوة في الشرق الأوسط، أو فوضى ممتدة تعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية، وتفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار ستحدد ملامح المنطقة لعقود قادمة وفي ظني انه فى كلا الحالتين المستفيد الوحيد إسرائيل.
المواطن السوداني في مصر… بين كرامة اللجوء وتعقيدات الواقع الإقليمي
لم تعد قضية المواطن السوداني في الأراضي المصرية مجرد حكايات فردية عن معاناة لجوء أو صعوبات…




