‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين ضبط النفس وخيار الرد بالمثل
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

السودان بين ضبط النفس وخيار الرد بالمثل

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

تشهد المنطقة لحظة فارقة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي، غير أن السلوك الإثيوبي تجاه السودان يمضي في الاتجاه المعاكس تمامًا. فبدلًا من ترسيخ مبادئ حسن الجوار، تتزايد المؤشرات على نهج يقوم على الاستغلال والانتهاك وفرض الأمر الواقع، في مشهد لا يهدد السودان وحده، بل يضع استقرار الإقليم بأكمله على المحك.

لم تعد التعديات على الأراضي السودانية حوادث معزولة يمكن تبريرها بسوء التقدير أو خلل التنسيق، بل تحولت إلى نمط متكرر يعكس إرادة سياسية مبيتة لفرض وقائع جديدة على الأرض. إن التوغلات والاحتكاكات العسكرية في المناطق الحدودية تمثل انتهاكًا مباشرًا للسيادة السودانية، وتكشف عن غياب واضح للالتزام الإثيوبي بأبسط قواعد العلاقات الدولية.

الأخطر من ذلك، ما تشير إليه تقارير ميدانية وتصريحات رسمية سودانية من استخدام الأراضي الإثيوبية كمنصة لانطلاق عمليات عسكرية تستهدف السودان، خاصة في إقليم النيل الأزرق. هذه المعطيات، التي لم تعد مجرد ادعاءات عابرة، تضع إثيوبيا—إن استمر هذا السلوك—في مواجهة اتهامات خطيرة بخرق مبدأ راسخ في القانون الدولي، يتمثل في عدم استخدام أراضي أي دولة للإضرار بدولة أخرى.

إن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن محاولة استثمار حالة الهشاشة التي يمر بها السودان، وهو سلوك قصير النظر، إذ أن الدول لا تُبنى علاقاتها على استغلال أزمات الجيران، بل على التعاون واحترام السيادة. وما يحدث اليوم يعكس نهجًا انتهازيًا يهدد بنسف أسس الثقة بين البلدين.

ورغم امتلاك السودان القدرة على الرد، فقد اختار حتى الآن نهج ضبط النفس، إدراكًا منه لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق نحو صراع مفتوح. غير أن هذا الصبر لا ينبغي تفسيره على أنه ضعف، بل هو موقف محسوب يوازن بين حماية السيادة وتجنب الانفجار الإقليمي. لكن استمرار الاستفزازات يضع هذا النهج أمام اختبار حقيقي، وقد يدفع الخرطوم إلى مراجعة خياراتها.

وفي هذا السياق، يبرز خيار “المعاملة بالمثل” كأحد السيناريوهات المطروحة، حيث يمتلك السودان أوراق ضغط قادرة على إحداث توازن في المعادلة، من بينها إمكانية فتح أراضيه أمام قوى المعارضة الإثيوبية. وهو خيار، رغم خطورته، كفيل بأن ينقل التوتر إلى الداخل الإثيوبي، ويجعل أديس أبابا تواجه تداعيات سياساتها على نحو مباشر. غير أن اللجوء إلى هذا المسار لن يكون بلا كلفة، إذ قد يقود إلى دوامة تصعيد متبادل تهدد استقرار المنطقة بأسرها.

ومن المفارقة أن إثيوبيا، التي تنخرها التحديات الداخلية من صراعات عرقية ونزاعات مسلحة، تبدو وكأنها تغامر بفتح جبهات توتر جديدة مع جيرانها. والتاريخ يؤكد أن الدول التي تصدر أزماتها إلى الخارج غالبًا ما تعود لتواجه انعكاسات ذلك داخليًا بصورة أشد تعقيدًا.

إن استمرار هذا النهج الإثيوبي لا يضع السودان وحده في دائرة التهديد، بل يفرض على المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وسياسية للتدخل والضغط من أجل احترام قواعد القانون الدولي ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى. فالصمت الدولي في مثل هذه الحالات لا يُفسر إلا بوصفه تواطؤًا غير مباشر مع سياسات تقويض الاستقرار.

في المقابل، يصبح لزامًا على السودان تبني استراتيجية أكثر صرامة ووضوحًا، تجمع بين الحزم الدبلوماسي والاستعداد الدفاعي، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة دون التفريط في الحقوق. فإدارة الأزمات لا تعني التنازل، بل تعني امتلاك القدرة على فرض التوازن دون الانجرار إلى الفوضى.

إن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى أديس أبابا هي أن السودان ليس ساحة مستباحة، ولا يمكن أن يكون منصة لتصفية الحسابات أو تحقيق المكاسب على حساب سيادته. وأن استمرار هذه السياسات لن يمر دون رد، وأن خيارات الخرطوم—مهما تأخرت—ستظل قائمة ومفتوحة.

ختامًا، يقف السودان اليوم أمام معادلة دقيقة: إما الاستمرار في ضبط النفس مع ما يحمله ذلك من مخاطر التمادي، أو الانتقال إلى خيارات أكثر صرامة تعيد رسم قواعد الاشتباك. لكن ما لا يقبل الجدل هو أن السيادة الوطنية خط أحمر، وأن حماية الأرض والكرامة الوطنية ستظل أولوية لا يمكن التراجع عنها، مهما بلغت التحديات.

‫شاهد أيضًا‬

الفور وعبرة طائر “الدودو”

في سِجلَّاتِ النُّشوءِ والارتقاء، لم تكن مأساةُ “طائرِ الدُّودو” مجردَ فاجعةٍ …