في بيتنا جاسوس الحلقة الثالثة: اغتيالات في قلب طهران
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في قلب العاصمة الإيرانية، حيث تتشابك الطرق المزدحمة وتعلو أصوات الحياة اليومية، وقع ما لم يكن في الحسبان فقد تحولت شوارع طهران إلى مسرح لعمليات اغتيال دقيقة استهدفت قادة بارزين في الأجهزة الأمنية والعسكرية والسياسية، عمليات لم تكن مجرد ضربات جسدية بل كانت رسائل نفسية عميقة أراد الموساد أن يزرعها في وجدان القيادة الإيرانية لقد كان كل اغتيال بمثابة إعلان صريح بأن الحماية التي تحيط بالقيادات العليا ليست سوى وهم، وأن اليد التي تصل إلى قلب العاصمة قادرة على الوصول إلى أي مكان آخر.
الاغتيالات لم تكن عشوائية، بل اختيرت أهدافها بعناية فائقة، شخصيات لها وزنها في صناعة القرار، وأسماء ارتبطت بمشاريع استراتيجية كبرى، من البرنامج النووي إلى إدارة الحرس الثوري ومع كل عملية، كانت صورة الدولة تتصدع أمام شعبها، إذ كيف يمكن لدولة تدّعي القوة أن تعجز عن حماية قادتها في أكثر المدن تحصيناً لقد بدا الأمر وكأن طهران نفسها أصبحت مكشوفة، وأن كل جدار وكل حاجز وكل نقطة تفتيش لم تعد سوى ديكور لا قيمة له أمام اختراق استخباراتي محكم.
الصدمة التي أحدثتها هذه الاغتيالات لم تقتصر على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى عمق البنية النفسية للنظام فالقادة الذين كانوا يظنون أنفسهم محصنين أصبحوا يعيشون في خوف دائم لدرجة لاينامون، والدوائر الأمنية التي كانت تتباهى بقدرتها على السيطرة تحولت إلى دوائر مرتبكة تبحث عن أشباح لا تراها لقد أصبح السؤال الذي يطارد الجميع هو من التالي، ومن الذي قد يسقط في أي لحظة، ومن الذي قد يكون بالفعل مراقباً أو مستهدفاً دون أن يدري.
إن اغتيالات طهران لم تكن مجرد عمليات تصفية جسدية، بل كانت ضربات موجهة إلى قلب الثقة التي يقوم عليها النظام الإيراني لقد أثبتت هذه الأحداث أن الحماية ليست في كثرة الحراس ولا في صرامة الإجراءات، بل في القدرة على منع العدو من التغلغل إلى الداخل ومع كل قائد يسقط، كانت صورة الدولة تتهاوى، وكان الشعب يزداد يقيناً بأن قيادته ليست آمنة ولا قادرة على حماية نفسها، فما بالك بحمايته هو وهكذا، فإن هذه الحلقة الثالثة تكشف أن الاغتيال ليس مجرد إنهاء حياة، بل هو إنهاء شعور بالأمان، وزرع خوف دائم في النفوس، خوف يجعل كل قرار وكل خطوة وكل مشروع محاطاً بالريبة والقلق لقد كانت طهران في تلك اللحظة مدينة تعيش على وقع الرصاص الخفي، مدينة تدرك أن عدوها لا يكتفي بمواجهتها في الحدود، بل يقتحم قلبها ليقول لها إن زمن الحصانة قد انتهى، وإن زمن الرعب قد بدأ .
نواصل في الحلقة القادمة بإذن
meehad74@gmail.com
الفور وعبرة طائر “الدودو”
في سِجلَّاتِ النُّشوءِ والارتقاء، لم تكن مأساةُ “طائرِ الدُّودو” مجردَ فاجعةٍ …




