تعيين المبعوث الأممي إلى السودان: بين الإجراء القانوني وامتحان السيادة
د. عبدالعزيز الزبير باشا

في خضم واحدة من أعقد المراحل التي يمر بها السودان، برزت مسألة تعيين بيكا هافيستو مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة كقضية تتجاوز بعدها الدبلوماسي إلى أبعاد قانونية وسيادية تمس جوهر الدولة نفسها. هذه المسألة تستوجب نقاشًا هادئًا، دقيقًا، ومبنيًا على فهم صحيح للمفاهيم والإجراءات، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من جوهر الدولة ومؤسساتها.
*أولًا: الفرق الجوهري بين المبعوث الأممي ورئيس البعثة*
من الضروري توضيح نقطة يغفل عنها كثيرون:
• المبعوث الشخصي للأمين العام ليس مجرد موظف أممي تقني، بل قناة سياسية مباشرة تمثل الأمين العام نفسه في ملف محدد.
• أما رئيس البعثة الأممية، فهو مسؤول عن بعثة قائمة داخل الدولة، ويعمل ضمن إطار مؤسسي وبموافقة الدولة المستضيفة.
وهنا تكمن النقطة الحاسمة: كلما ارتفعت صفة التمثيل، ارتفعت معها حساسية القبول السيادي، لا العكس.
*ثانيًا: مبدأ التشاور والموافقة — حجر الأساس*
في الأعراف الدولية، تعيين مبعوث شخصي بهذا المستوى لا يتم بشكل أحادي أو مفروض، بل عبر تشاور دقيق مع الدولة المعنية، يتضمن طرح مرشحين، تقييمهم، ثم قبول رسمي عبر القنوات السيادية.
وعليه، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا: إذا كان الحديث عن “مبعوث شخصي للأمين العام”، فأين هو المسار التشاوري الذي يفترض أن يسبق هذا التعيين؟ ومن هي الجهة التي أصدرت الموافقة؟ وأين الإخطار الرسمي؟ ومن منح الإذن بالدخول والإقامة؟
كلما ارتفع مستوى التمثيل، أصبحت هذه الأسئلة أكثر إلزامًا، لا أقل.
*ثالثًا: حين تختلط الصفة السياسية بالصفة السيادية*
الأكثر حساسية ليس التعيين بحد ذاته، بل ما تلاه من لقاءات مع أطراف بعضها يحمل صفة رسمية داخل الدولة، بينما يتصرف سياسيًا خارج إطارها.
وجود “مبعوث شخصي” يتعامل مع أطراف غير منضبطة مؤسسيًا يفتح بابًا خطيرًا:
هل يتم التعامل مع الدولة ككيان موحد؟ أم كمجموعة أطراف متوازية؟
هذا الخلط، في هذا المستوى من التمثيل، لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرًا.
*رابعًا: لماذا يزيد ذلك من خطورة المسألة؟*
لأننا لا نتحدث عن وسيط تقني، بل عن ممثل مباشر للأمين العام، أي أن كل تفاعل معه يُقرأ دوليًا على أنه تفاعل مع منظومة الأمم المتحدة في أعلى مستوياتها السياسية.
في ظل ما مرّ به الشعب السوداني من معاناة قاسية—نزوح، انتهاكات، وفقدان للأمن—فإن أي ارتباك في تعريف من يمثل الدولة، ومن يتحدث باسمها، يصبح مسألة مصيرية لا إجرائية.
*خامسًا: تعيينه كاختبار سيادي مضاعف*
إن تعيين بيكا هافيستو بهذه الصفة تحديدًا—“المبعوث الشخصي للأمين العام”—يمثل اختبارًا مضاعفًا لقدرات الدولة السودانية:
هل تستطيع فرض قواعد التعامل مع تمثيل أممي عالي المستوى؟
هل تملك وضوحًا كافيًا في مركز القرار لمنع الالتفاف حوله؟
هل تستطيع ضبط العلاقة بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات الرسمية في ظل هذا الضغط؟
*الخلاصة: الأسئلة التي يجب أن تُطرح*
المسألة لم تعد مرتبطة بالاسم، بل بالإطار: من يملك قرار القبول؟ ما هي الجهة المخولة قانونًا؟ كيف يُسمح بالتعامل مع تمثيل دولي بهذا المستوى خارج القنوات الرسمية؟ وأين تقف حدود السيادة؟
هذه ليست أسئلة سياسية، بل أسئلة دولة.
*كلمة أخيرة*
كلما ارتفع مستوى التمثيل الدولي، ارتفعت معه مسؤولية الدولة في ضبطه. وفي زمن الحرب، لا يُقاس الخلل بحجمه الظاهر، بل بتأثيره التراكمي.
والدول التي لا تضبط من يدخل من أبوابها… قد تجد نفسها تُدار من خارجها.
*وطن و مؤسسات…*
*السودان أولاً وأخيراً…*
*25/03/2026*
السحر والشعوذة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلي اله وصحبه اجمعين. اما بعد …





