‫الرئيسية‬ مقالات في بيتنا جاسوس  الحلقة الخامسة: الصدمة النووية
مقالات - ‫‫‫‏‫7 دقائق مضت‬

في بيتنا جاسوس  الحلقة الخامسة: الصدمة النووية

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي 

في لحظة بدت وكأنها امتداد طبيعي لسلسلة الاختراقات والاغتيالات والتطهير الداخلي، جاءت الضربة الأعنف والأكثر إيلاماً للنظام الإيراني، ضربة لم تستهدف مجرد شخصيات أو مؤسسات، بل أصابت قلب المشروع الذي طالما اعتبرته إيران رمزاً لقوتها وطموحها الاستراتيجي، مشروعها النووي لقد كان البرنامج النووي بالنسبة للقيادة الإيرانية أكثر من مجرد مشروع علمي أو عسكري، كان عنواناً للهيبة، ورمزاً للقدرة على تحدي القوى الكبرى، وإشارة إلى أن إيران قادرة على فرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاهله في معادلة الشرق الأوسط ولكن حين نجح الموساد في اختراق هذا المشروع، لم يكن الأمر مجرد تعطيل تقني، بل كان زلزالاً وجودياً هزّ أركان الدولة من الداخل .

 

فقدان العلماء البارزين الذين تمت تصفيتهم أو اختفوا في ظروف غامضة كان بمثابة نزيف للعقل الذي يقود المشروع، ومع كل اسم يسقط كانت عجلة التطوير تتباطأ، وكانت الثقة في قدرة إيران على حماية عقولها تتلاشى أما الأنظمة الدفاعية التي شُلّت بفعل الهجمات السابقة فقد جعلت المنشآت النووية نفسها عرضة لأي ضربة مستقبلية، وكأنها أهداف مكشوفة تنتظر لحظة الانقضاض لقد أصبح المشروع النووي يعيش في ظل خوف دائم، خوف من أن أي خطوة إلى الأمام قد تُقابل بضربة قاصمة تعيده إلى الوراء، وخوف من أن أي إنجاز قد يتحول إلى عبء إذا كان ثمنه كشف المزيد من الثغرات أمام العدو .

 

الصدمة النووية لم تكن مجرد خسارة تقنية، بل كانت انهياراً نفسياً وسياسياً، إذ أدركت القيادة الإيرانية أن مشروعها الذي طالما تغنّت به قد أصبح هشاً، وأن أي تقدم فيه سيظل مهدداً بالانكشاف والتدمير لقد تحولت المنشآت النووية إلى رموز للخوف أكثر من كونها رموزاً للقوة، وأصبح العلماء يعيشون في ظل هاجس دائم من أن يكونوا الهدف التالي، بينما يعيش الشعب في حالة من الشك حول جدوى هذا المشروع الذي يستهلك موارد هائلة لكنه لا يجلب سوى المزيد من الأزمات والتهديدات.

 

إن الصدمة النووية التي تعرضت لها إيران لم تكن مجرد فصل في قصة الاختراقات، بل كانت ذروة الأحداث التي كشفت هشاشة المشروع الاستراتيجي الأهم للدولة لقد أثبتت هذه الضربة أن القوة لا تُقاس بما تملكه من منشآت أو بما تعلنه من مشاريع، بل بقدرتك على حمايتها من الداخل والخارج، وبقدرتك على الحفاظ على الثقة بين قياداتك وعلمائك وشعبك ومع انهيار هذه الثقة، أصبح المشروع النووي عبئاً أكثر منه مكسباً، وأصبحت إيران تعيش في ظل خوف دائم من أن أي خطوة جديدة قد تتحول إلى بداية سقوط جديد اً وهكذا، فإن هذه الحلقة الخامسة تكشف أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين أجهزة استخبارات أو جيوش، بل أصبح مواجهة بين الثقة والخوف، بين القدرة على الصمود والانهيار الداخلي، وأن الصدمة النووية ستظل شاهداً على أن المشروع الذي أرادت إيران أن يكون عنواناً لقوتها قد تحول إلى عنوان لهشاشتها .

نواصل في الحلقة القادمة بإذن الله

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

أغوار وأسرار الشخصية السودانية (2-10)

لقد تطرق كثير من الباحثين والمثقفين إلى الحديث عن الشخصية السودانية وتعريفها، وقد ذهب كثير…