تتكاثر الوقائع… وتختفي الدولة
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء الخبراء الإنمائية

ليست خطورة اللحظة في تعدد الأزمات… بل في أن كل أزمة تبدو منفصلة… بينما هي في الحقيقة خيوط نسيج واحد… اسمه: اختلال الدولة.
كلاكيكيت… تيك ٢٠١٨م … ثم ٢٠٢٦م
المشهد ليس جديدًا…
فقط الكاميرا عادت لنفس الزاوية…
لكن هذه المرة… التفاصيل أكثر حدة… والفراغ أكبر.
أولًا: تفكيك المشهد… أم إعادة تركيبه؟
لو نظرنا إلى الأحداث كجزر منفصلة… سنغرق في التوصيف. لكن إن قرأناها كسلسلة مترابطة سنقترب من الحقيقة.
دعنا نعيد ترتيبها لا كما حدثت بل كما تُفهم:
١) الدولة التي تفقد سيطرتها الوظيفية
•إضراب أساتذة الجامعات
•تلويح المعلمين بالإضراب وأزمة الرواتب (٥ أشهر… ثم ٦٠%… ثم لا شيء)
●هذه ليست مطالب فئوية… هذه إشارة انهيار في وظيفة الدولة الأساسية ، دفع الأجور مقابل الخدمة ما يعني إنتشار للفساد المالي والإداري في الخدمة المدنية.
> حين تعجز الدولة عن دفع رواتب معلميها… فهي لا تواجه أزمة مالية فقط… بل أزمة شرعية وظيفية.
٢) الدولة التي تفقد سيطرتها السيادية
•سقوط الكرمك
•مؤشرات تدخل عسكري إثيوبي مساند لقوات الدعم السريع في احداث الكرمك الأخيرة
•صمت وزارة الخارجية والإعلام
هنا لا نتحدث عن “حادث أمني”… بل عن فراغ سيادي يُملأ من الخارج.
> في الجغرافيا السياسية الصمت ليس حيادًا… الصمت إشارة ضعف تُقرأ جيدًا من الآخرين.
٣) الدولة التي تفقد سيطرتها القانونية
وهنا تحديدا نستحضر واقعة و ملابسات اعتقال الصحفية هاجر سليمان حيث تضارب الأدوار (شاكي – آمر قبض – محقق)
هذه ليست حادثة فردية… بل انهيار في مبدأ سيادة القانون.
> عندما تصبح العدالة خصمًا وحكمًا في ذات الوقت… فأنت لا تعيش في دولة قانون… بل في حالة قانون.
٤) الدولة التي تفقد سيطرتها الاقتصادية
•زيادة الوقود
•زيادة تعرفة المواصلات
•صمت حكومي كامل
هنا يظهر أخطر أنواع الفراغ وهو فراغ التفسير.
> المواطن لا يغضب فقط من الغلاء…بل من غياب الرواية الرسمية التي تفسر له لماذا يحدث ذلك.
٥) الدولة التي تفقد سيطرتها الرمزية
رئيس وزراء حكومة الامل يقضي العيد خارج البلاد في مقابل شعب بلا رواتب
قد يبدو الحدث بسيط ، لكنه في علم السياسة يسمى:
> انفصال النخبة عن الإحساس العام.الدولة لا تُقاس فقط بما تفعله بل بما تشعر به مع شعبها.
٦) الدولة التي تفقد سيطرتها على السردية
تجفيف مدرسة عمر بن عبدالعزيز الثانوية بنين بمحلية الخرطوم بحري وتحويل فصولها إلى مخازن كتب المنهج الدراسي الجديد الذي تمت طباعته في جمهورية مصر العربية دون تفسير رسمي ما يطرح تساؤلات حول شبهة فساد مالي واداري وهنا نستحضر حادثة طباعة العملة السودانية في الإمارات
هنا نصل إلى أخطر نقطة:
> حين لا تشرح الدولة ما يحدث… سيشرح الناس بطريقتهم. وهنا تولد الشائعات… ثم تتحول إلى “حقائق بديلة”.
ثانيًا: التشبيك الاستراتيجي
Where is the Pattern?
دعنا نجمع كل ما سبق… لنكتشف أننا أمام نمط واحد:
■ الدولة تتآكل من خمس جهات في وقت واحد ويظهر ذلك من خلال :
•وظيفيًا (رواتب وخدمات)
•سياديًا (أمن وحدود)
•قانونيًا (عدالة ومؤسسات)
•اقتصاديًا (معيشة وأسعار)
•سرديًا (غياب التفسير)
وهذا ليس صدفة…
بل هو ما يسمى في التحليل الاستراتيجي:
Multi-System Stress Failure
(انهيار متزامن للأنظمة).
ثالثًا: أين السودان من مشهد الشرق الأوسط؟
بينما الإقليم يغلي …السودان يبدو وكأنه خارج المعادلة رغم أنه في قلبها جغرافيًا.
ملامح ذلك تظهر من خلال :
•غياب رؤية خارجية واضحة
•انشغال داخلي مفرط نتيجة تفشي الفساد وانعدام الرقابة نتيجة غياب السلطة التشريعي
•ضعف أدوات التأثير (دبلوماسية – إعلام – اقتصاد)
> في عالم اليوم الدولة التي لا تُعرّف نفسها…سيقوم الآخرون بتعريفها نيابةً عنها.
رابعًا: تقدير الموقف
■الاتجاه العام:
> تدهور تدريجي نحو حالة “الدولة الهشة”
ليس انهيارًا مفاجئًا… بل تآكل بطيء على مدى سبع سنوات حسوم
■السيناريوهات المحتملة:
١) سيناريو استمرار الانهيار وهو السيناريو الأرجح ملامحه:
•استمرار الإضرابات
•توسع الفجوة بين الدولة والمجتمع
•زيادة النفوذ الخارجي ويظهر من أحداث الكرمك.
٢) سيناريو الانفجار وتظهر ملامحه من خلال تراكُم الغضب مما يؤدي الى حراك شعبي غالبا سيكون ( مصنوع) نتيجة حالة الاستلاب الداخلي للوعي واستخدام التحشيد والتحشيد المضاد ، ما يعني عودة نمط ٢٠١٨م ولكن بظروف أكثر تعقيدًا ، وظاهرة استثمار الشرع وتحريكه فيما يشبه أحداث ما قبل ١٥ أبريل ٢٠٢٣م من تظاهرات واضرابات وقفل للشوراع
٣) سيناريو الالتقاط (الأضعف حاليًا) ونصوغ ملامحه عبر :
•تدخل إصلاحي سريع
•إعادة هيكلة الرواتب
•استعادة الخطاب الرسمي
•تحرك دبلوماسي نشط
خامسًا: أين الخلل الحقيقي؟
الخلل ليس في حدث واحد… بل في غياب “العقل الرابط” داخل الدولة واستغلال حالة الشتات الشعبي ان جاز التعبير والاكتفاء بدور الشعب في رفع الشعارات فقط وكأنه بالضبط كما تصفه الآية: ( كل ما رأى كوكبا قال هذا ربي هذا اكبر .. الآية )
الدولة اليوم ان جاز توصيفها كدولة تتعامل مع:
●الاقتصاد بمعزل عن السياسة
●الأمن بمعزل عن المجتمع
●القانون بمعزل عن العدالة
●الإعلام بمعزل عن الحقيقة
في حين أن الدولة بالفعل يتحرك أفراد داخلها تحت اسم الدولة دون حسيب أو رقيب
سادسًا: الحل من منظور “الجسر والمورد”
الحل ليس في إطفاء الحرائق بل في إعادة بناء الجسر بين:
١) الدولة والمجتمع وذلك عبر :
•الشفافية
•التفسير
•الحضور إنساني
٢) الداخل والخارج وذلك عبر :
•تفعيل الدبلوماسية
•إعادة تعريف موقع السودان
٣) القرار والرواية وذلك عبر :
•لا قرار بدون خطاب
•ولا خطاب بدون مصداقية
#أصل_القضية،،
السودان اليوم… لا يواجه أزمة واحدة…
بل يعيش داخل سردية أزمة مصنوعة من الداخل قبل الخارج.
فالمشكلة ليست في ما يحدث…
بل في أن الدولة لا تقول لنا:
لماذا يحدث؟
وإلى أين نحن ذاهبون؟
رسالة إلى متابعي #أصل_القضية:
إن شعرتم أن ما ترونه… ليس كل ما هناك…
فأنتم بدأتم ترون الصورة.
شاركوا المقال… لأن الصمت في زمن التشويش… موقف.
ولأن السودان هو #أصل_القضية
أغوار وأسرار الشخصية السودانية (2-10)
لقد تطرق كثير من الباحثين والمثقفين إلى الحديث عن الشخصية السودانية وتعريفها، وقد ذهب كثير…





