‫الرئيسية‬ مقالات بين قوة السلاح وحكمة التراجع: لماذا لم يطعن بريغوجين روسيا… واحترق السودان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫14 دقيقة مضت‬

بين قوة السلاح وحكمة التراجع: لماذا لم يطعن بريغوجين روسيا… واحترق السودان؟

د. لبابة عبدالرحيم منير علي الشريف

التاريخ لا ينسى: يذكر بريغوجين، يُدان محمد حمدان دقلو، ويُخلَّد الجيش السوداني

في عالم الصراعات، لا تُقاس خطورة الفاعلين المسلحين بحجم قوتهم فقط، بل بقراراتهم في اللحظات الحاسمة. وهنا تبرز المقارنة الصادمة بين ما فعله يفغيني بريغوجين، قائد مجموعة فاغنر، وما آلت إليه الأوضاع في السودان.

في 24 يونيو 2023، وفي لحظة كادت أن تهز استقرار روسيا، قرر بريغوجين وقف تقدم قواته نحو موسكو، منهياً أخطر أزمة أمنية ، بعد تصاعد خلافه مع قيادات الجيش الروسي واتهامه لهم بقصف قواته في أوكرانيا.

لم تكن فاغنر مجرد مليشيا عادية، بل قوة عسكرية عالية التنظيم، تمتلك آلاف المقاتلين المحترفين، وتسليحاً ثقيلاً، وخبرة قتالية تراكمت في ساحات مثل سوريا وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، ما جعلها أقرب إلى جيش موازٍ قادر على تهديد توازن القوة داخل الدولة نفسها.

ومع ذلك، عندما بلغت الأزمة ذروتها، اختار بريغوجين التراجع. لم يستجب لإغراءات التصعيد بعد ان أصبح على مقربه من العاصمة موسكو، ولم يسمح لنفسه أن يصبح خنجراً في خاصرة وطنه، مفضّلاً تجنيب روسيا الانزلاق إلى اقتتال داخلي، في إدراك واضح لخط أحمر: الدولة لا تُكسر من الداخل.

في المقابل، مضت قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في طريق معاكس تماماً، حيث واصلت حربها ضد الجيش السوداني، في صراع دمّر الدولة ومزّق المجتمع، بدعم خارجي من اعداء وطنه واولهم الإمارات العربية المتحدة، التى تتعامل معه ك وسيلة لتنفيذ اجندتها.

الفارق هنا ليس في القوة فكلا الطرفين امتلك السلاح والرجال بل في القرار. بريغوجين، رغم تمرده، تراجع حين أدرك أن استمرار المواجهة يعني انهيار روسيا وسفك الدم الروسي كما قال، أما في السودان، فقد استمر السلاح خارج الشرعية في تحدي الدولة، فكانت النتيجة حرباً بلا أفق، وانهياراً بلا سقف.

الأخطر أن أي مليشيا حين تواصل الحرب ضد جيشها الوطني، تفتح الباب لتقاطع المصالح الخارجية، وتتحول تدريجياً بوعي أو بدونه إلى أداة في صراعات أكبر منها. وهنا يكمن الفارق الأخلاقي والسياسي: بين من يتوقف عند حافة الانهيار لوطنه، ومن يندفع نحوها.

إن ما ارتكبته قوات الدعم السريع من انتهاكات ومجازر بحق السودانيين سيبقى محفوراً في الذاكرة الوطنية، فالشعوب لا تنسى، والوقائع لا تُمحى.

فهي فظائع ارتكبتها ضد أبناء وطنها، فظائع تواجه على اثرها عقوبات دولية، وبالرغم من ذلك مازالت المذابح مستمرة.

ورغم أن يفغيني بريغوجين قد رحل، إلا أن قراره في لحظة الحسم سيظل علامة فارقة تُحسب له، إذ اختار في نهاية المطاف ألا يكون سبباً في تفكيك دولته. وفي المقابل، فإن ما ارتكبته قوات الدعم السريع وقيادتها سيظل وصمة لا تُمحى، وسيُحفظ لهم ما فعلوه في حق الشعب السوداني، و في سياق اتهامات بالارتهان لأجندات ودعم خارجي.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز دور الجيش السوداني كركيزة أساسية لصمود الدولة، حيث قدّم تضحيات جساماً في مواجهة الانهيار، وظل رغم كل التحديات حاملاً لفكرة الدولة وحارساً لوحدتها.

وبين من تراجع حفاظاً على وطنه، ومن واصل الحرب ضده، يبقى الفارق واضحاً: هناك من اختار أن يجنّب بلاده السقوط، وهناك من دفع بها إلى حافة الهاوية.

‫شاهد أيضًا‬

حمقى ولصوص لجنة التفكيك (٤—٧)٠٠ البلاغ الثالث : نهب المجرم وجدي صالح لشركات قطاع الدواجن..

ضمن مقالاتنا المتتالية توثيقًا لجرائم لجنة التفكيك الفاسدة كنا قد بدأنا بمقالين سابقين عن …