‫الرئيسية‬ مقالات عدوان على إيران أم على الأمة الإسلامية والسلم الدولي ؟ – قراءة في السياق الاستراتيجي وتداعيات الصراع 
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

عدوان على إيران أم على الأمة الإسلامية والسلم الدولي ؟ – قراءة في السياق الاستراتيجي وتداعيات الصراع 

السفير / رشاد فراج الطيب

ليس من الدقة السياسية ، ولا من النزاهة التحليلية ، اختزال المواجهة الجارية في كونها نزاعاً ثنائياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى. فمثل هذا التبسيط يُغفل السياق الأوسع ، ويتجاوز الطبيعة المركبة للصراع ، ويُسقط من الاعتبار البعد الاستراتيجي الذي يتجاوز الجغرافيا الإيرانية إلى فضاء العالمين العربي والإسلامي بل والفضاء الدولي بأكمله .

 

إن القراءة المتأنية لمسار الأحداث ، واستدعاء الخلفيات الفكرية والسياسية للقوى الفاعلة ، يقودان إلى نتيجة مفادها أن ما يجري هو جزء من مشروع ممتد ، تشكل عبر عقود داخل دوائر اليمين الصهيوني ، وتقاطعت معه مصالح وتوجهات تيارات يمينية إنجيلية متطرفة في الولايات المتحدة .

 

مشروع يستهدف ، في جوهره ، إعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يضمن تفوقاً دائماً لإسرائيل ، ويُحيّد أو يُقصي كل قوة إقليمية يُحتمل أن تعترض هذا المسار .

 

وفي هذا الإطار ، لا يمكن فصل استهداف إيران عن موقعها في معادلة الصراع ، لا باعتبارها نموذجاً سياسياً يُحتذى ، ولكن بوصفها دولة أعلنت بدرجات متفاوتة رفضها للهيمنة الصهيونية ، ووقفت في وجه سياسات الاحتلال والتوسع والاستيطان ، وما يرتبط بها من مشاريع التهويد وتهجير الشعب الفلسطيني .

 

ومن ثم ، فإن استهدافها يصبح مفهوماً ضمن منطق “كسر الحلقات الصلبة” في الإقليم ، تمهيداً لإعادة ترتيب موازين القوى بما يخدم المشروع الصهيوني الأشمل .

 

لقد ظل الحديث عن “ الشرق الأوسط الجديد ” و“ إعادة هندسة المنطقة ” حاضراً في أدبيات هذا التيار ، مقروناً بتصورات لا تخفي طموحها إلى تكريس واقع جيوسياسي يسمح بتمدد النفوذ الإسرائيلي ، ويمنحها موقع المركز في منظومة إقليمية مفككة .

 

وفي هذا السياق ، يبرز خطاب “إسرائيل الكبرى” من البحر إلى النهر ليس كشعار دعائي فحسب ، بل كمرجعية فكرية تؤطر سياسات عملية على الأرض .

 

وإذا ما نظرنا إلى طبيعة هذه الحرب من زاوية القانون الدولي ، فإنها تفتقر إلى الأساس الشرعي الذي يمكن أن يمنحها صفة “ الحرب العادلة ” .

 

فهي حرب عدوان علي دولة مستقلة ذات سيادة لا تستند إلى تفويض دولي ، ولا تأتي في إطار دفاع مشروع بالمعنى القانوني ، بل تتعارض مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ، خاصة ما يتعلق بحظر استخدام القوة وتهديد السلم والأمن الدوليين .

 

وهو ما يفسر ، إلى حد كبير ، حالة التحفظ أو الاستنكار التي صدرت عن قوى دولية عدة ، بما في ذلك أطراف أوروبية وشرقية تدرك مخاطر الانزلاق نحو فوضى استراتيجية أوسع ، وترفض الانخراط في غمارها أو تكون طرفا فيها.

 

وعليه ، فإن توصيف هذه الحرب باعتبارها “حرب إسرائيل” المدعومة من تيار يميني إنجيلي إمبريالي في الولايات المتحدة ، ليس توصيفاً دعائياً بقدر ما هو قراءة لواقع التحالفات والأجندات .

 

فثمة تلاقٍ واضح بين مشروع صهيوني يسعى إلى تثبيت الهيمنة الإقليمية ، وبين رؤية أمريكية يمينية متطرفة ترى في استخدام القوة وسيلة مشروعة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق مصالحها .

 

غير أن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن في لحظته الراهنة فحسب ، بل في مآلاته المحتملة .

 

فإذا ما أفضت هذه المواجهة إلى انتصار هذا التحالف – لاقدر الله – فإن ذلك سيُفضي على الأرجح إلى مرحلة جديدة من الاستهداف الممنهج لدول أخرى في العالمين العربي والإسلامي ودول أخرى ، تحت ذرائع متعددة ، وسيكرّس منطق الهيمنة الأحادية ، ويمنح التيارات اليمينية المتطرفة زخماً إضافياً لفرض رؤيتها على النظام الدولي .

 

وفي المقابل ، فإن إدراك هذه الحقائق لا يستوجب بالضرورة الانخراط في المشروع الإيراني أو تبني خياراته السياسية .

 

فثمة تمييز لازم بين الموقف من السياسات ، والموقف من طبيعة الصراع .

 

إذ يمكن ، بل ينبغي ، رفض العدوان من منطلق مبدئي ، مع الاحتفاظ بمسافة نقدية من سياسات الأطراف المختلفة .

 

إن ما هو محل نظر ، في هذا السياق ، هو أن كسر هذا المخطط الصهيوني أياً كانت الجهة التي تتصدى له ، من شأنه أن يفتح أفقاً لنظام دولي أكثر توازناً ، ويحد من اندفاع مشروع الهيمنة ، ويمنح دول المنطقة مساحة أوسع للحركة والاستقلال في القرار .

 

وهو ما يجعل من نتيجة هذه المواجهة شأناً يتجاوز حدود إيران ، ليطال مستقبل التوازنات الدولية برمتها .

 

وعليه ، فإن المسؤولية لا تقتصر على الحكومات ، بل تمتد إلى النخب الفكرية والسياسية ، التي يقع على عاتقها تفكيك الخطاب السائد ، وإعادة تقديم قراءة واعية لطبيعة الصراع ، بعيداً عن التبسيط أو الاصطفاف غير المدروس .

 

كما أن للأحرار في العالم دوراً في مقاومة هذا المشروع ، دفاعاً عن مبادئ العدالة ، ورفضاً لسيادة منطق القوة المجردة والغطرسة.

 

خلاصة القول ، إن السؤال لم يعد : هل هو عدوان على إيران ؟ بل : إلى أي مدى يُشكّل هذا العدوان حلقة في مشروع أوسع يستهدف إعادة إخضاع المنطقة ، وتكريس نظام دولي أحادي القطب ؟

 

والإجابة في ضوء المعطيات ، تميل بوضوح إلى أن ما يجري هو اختبار لمستقبل الأمة ، ولموقعها في عالم يتشكل على وقع الصراعات الكبرى .

 

كما هو اختبار لكل العالم الحر وصدقية التزامه بشعارات ومواثيق الشرعية الدولية والحقوق المتساوية للدول والشعوب في العيش بسلام وكرامة دون هيمنة أو استعلاء من قوة غاشمة وظالمة .

‫شاهد أيضًا‬

مطالبات لمدير المخابرات لتطهير النيابة وتعزيز العدالة دعوات إعلامية لاتخاذ خطوات حاسمة وسط اتهامات بوجود تجاوزات    رئيس جمعية صحفيون ضد الجريمة :اي شبهة فساد داخل النيابة ينعكس سلبا” على المنظومة العدلية

تتزايد الدعوات في الأوساط الرسمية والإعلامية بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لإصلاح أجهزة العدالة…