البرهان وضياع الفرص الثمينة: خيبة الأمل (2-3)
د.ابراهيم الصديق علي

(1)
ردود فعل واسعة تلقيتها بعد تحليلنا السابق ، ولاحظت أن الأكثر حسرة هم قوى سياسية واجتماعية ذات وزن وحظوة ، وكان رد فعل احدهم (معقول) ..
– والحسرة والخيبة من تراجع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول البرهان عن خطابه المعلن (حوار سوداني لا يستثني احداً) ، ومن تنويراته للكتل والتحالفات السياسية والمجتمعية ، ثم تبين أن للرئيس أكثر من قول: فهو شديد الحرص على وحدة الصف مع القوى السياسية ، ولكنه يبني في كتلة موازية من قوى اجتماعية ومجتمعية ولجان مقاومة وغاضبون لتكوين خط دفاع آخر.. وهذا أمر محير.. ويتطلب نبش في بعض خبايا المواقف..
– وحديث الفريق اول البرهان عن استثناء وابعاد قوى وطنية هو تذكير وتحذير لاطراف حليفة ، بان العهود محل نقض ، ولهذا من حق أطراف الاتفاقات الحرص على مكتسباتهم ، فالأقوال ليست الافعال..
– وحديث رئيس مجلس السيادة مخيب لآمال واحدة من أكثر الكتل السياسية التى حظيت بتقديره وهى الكتلة الديمقراطية وقد قال رئيسها مولانا جعفر الميرغني (إنَّ الإقصاءَ الجزافيَّ لا يُنتجُ شراكةً قط ، يُنتجُ انقساماً فوقَ انقسام، وريبةً فوقَ ريبة، ويصنعُ لكلِّ مقصيٍّ قضيةً يقاتلُ تحتَ رايتِها) واضاف (
ثمَّ إنّي أقولُها بوضوحِ الشمس: لا يملكُ أحدٌ منا، فرداً كانَ أو حزباً أو تحالفاً أو سلطة، تفويضاً بأن يقرر من يدخل الحياة السياسية ومن يُطرد منها ، ذلك التفويض عند الشعب السوداني في اقتراع حر نزيه).
– وحديث البرهان مجاف للمشهد السياسي وحالة التعافي الوطني ، فالمواطن بعد مرارة الحرب غير راغب في مناكفات وصراعات وتجاذبات ، بل إن المرحلة نفسها تتطلب تواثق للمشاركة في البناء ، وللحقيقة فإن الكوادر الوطنية هى الأكثر خبرة وكفاءة وقدرة على العطاء والبذل فكيف يتم اقصاء كل ذلك لإرضاء وعود اجنبية..؟
(2)
وأكبر خيبات الأمل ، هو افراغ الحوار السوداني السوداني من غاياته في تحقيق اجماع وطني وبناء مشروع نهضوي ، وتحويله إلى (محاصصة) سياسية قصيرة الأفق والغاية ، لأغراض تشكيل مجلس تشريعي يمنح البرهان حق الانفراد بالسلطة مع ابعاد الحمولات السياسية ممثلة في مجلس السيادة والوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا..
وقبل ذلك اعطاء مسحة خادعة عن الانتقال الديمقراطي من خلال استرضاء بعض قيادات قحت ، وليس سراً أن اتصالات وفوده كثيرة التسفار للحديث مع دكتور مريم الصادق المهدي ومع المهندس عمر الدقير..
هل رضى البرهان أن يضع كل حلفاء الداخل من القوى السياسية والاجتماعية في كفة وبعض قيادات قحت في كفة ، هل هذا منطقي ؟..
ألم تدخل بلادنا الحرب بعد تعنت (قحت) وضغوطها من اجل الاقصاء وفرض اجندتها وعلى رأسها حل القوات المسلحة والاجهزة الأمنية المختلفة!!
ألم تكن دكتورة مريم صاحبة التصريح الشهير (اما هذا الاتفاق أو لنا خيارات اخري) ..؟
ما هي تلك الخيارات ؟
ألا يشكل هذا الاستغراق في ارضاء تلك الأطراف خيبة أمل للذين دافعوا عن الأرض والعرض وعن الذين صبروا واحتملوا.. يا له من ميزان شديد التطفيف..
(3)
سؤال مهم ، لماذا اختار البرهان هذا الموقف السياسي ، أي اقصاء المؤتمر الوطني عن الحوار السوداني السوداني ؟ ..
الاجابة وردت في ثنايا بعض حديثه بعد أن شعر بالوجوم على وجوه الحضور في لقاء الدراميين والرياضيين وتوقفوا عن التصفيق ، وبرر ذلك بالموقف الخارجي ؟..
– هل هذا حوار سوداني لحلول وطنية ام موقف تفاوضي مرحلي ؟ الرأي العام السوداني يرى أن الفرصة مواتية لحوار شامل ، فهل المقصود لقاء (مهرجاني) ، إن كان الأمر كذلك فقد تقاصر المسعى عن بلوغ غاية المنى..
– هل لدي الفريق اول البرهان تعهدات لقوى اجنبية بإبعاد الإسلاميين ، وقد وردت تقارير – غير مؤكدة – عن ذلك في لقاء مسعد بولس بسويسرا ؟..
– ثمة فرضيات كثيرة ، و الناتج خيبة أمل كبيرة..
(4)
ربما يقتضي الأمر استدعاء بعض الشواهد القريبة ، وابرزها وثيقة (استعادة الاستقرار والعملية السلمية) والتى تم تسريبها في يونيو 2026م ، وثار جدل كثيف حولها ، تصاعد بعد بيان مجلس الأمن والدفاع يوم 12 يوليو 2026م وقد أعلن احتكارية التفاوض حصرياً عنده ، والوثيقة قريبة مما ورد في مقترح امريكي تم تسليمه لوزير الخارجية السفير محي الدين سالم في 20 يونيو 2026م ..
وقد استعرض بعض بنود الوثيقة المسربة الأخ جهير السيرة / عادل الباز وجاء في سلسلة مقالاته تحت عنوان خلف ستار الهدنة:
* أقرأ هذا البند العجيب والذي ينص على: (*ضمان خلو الحوار والعملية السياسية من جماعات التطرف العنيف ومن ارتكبوا الفظائع من المليشيات المتمردة*). من هم جماعات التطرف العنيف؟ ما يتبادر للذهن أنهم الإسلاميون، وهنا تمت مساواة الذين قاتلوا المليشيا بالمليشيا المتمردة نفسها. والرسالة الخطيرة هنا: إذا قاتلت مع المليشيا أو مع الدولة فأنت خارج اللعبة السياسية وليس لك الحق في مستقبل البلد؛ المطلوب من الإسلاميين أن يستشهدوا ولا يكونوا شهوداً على عرس الوطن! هذا طرحٌ مثير للاستغراب.
واضاف (بالطبع مفهوم أن هذا البند وُضع استرضاءً لجهات محددة كان ذلك مطلبها الدائم في وثيقة الرباعية وغيرها، ولكن كان الأفضل أن يوضع استبعاد الإسلاميين – وهم لا يستحقون هذا التوصيف
ولا الاستبعاد – مقابل استبعاد المليشيات وحلفائها. ليس عدلاً أن يبقى حلفاء المليشيا على طاولة التفاوض على مصير البلد ويُستبعد حلفاء الجيش! هذا منطقٌ مريب، وهو بالتأكيد ليس لمصلحة الجيش ولا مصلحة الفترة الانتقالية. وقد تمت تجربة هذه الفكرة الإقصائية مرتين بعد التغيير وفي أثناء الإطاري، فماذا كان الحصاد؟ لماذا نكرر ذات الفكرة ونتوقع نتائج مختلفة)
وقد اعجبني ما اورده الدكتور خالد التيجاني رئيس تحرير صحيفة ايلاف عن ذات الوثيقة المسربة وجاء فيه:
( وتحضرني هنا ما وصفته ذات يوم ب ” نظرية الناموسية في العلاقات الدولية”، على خلفية رد الراحل د. جون قرنق في المؤتمر الصحافي الوحيد الذي عقده في الخرطوم بصفته النائب الأول لرئيس الجمهورية قبل أيام من رحلته الأخيرة عندما سئل إن كانت التدخلات الدولية ستتوقف في السودان بعد تطبيق اتفاقية نيفاشا، فضرب مثلا بقوله “نحن في الجنوب عندنا بعوض كتير، إذا ما عايز تجيك ملاريا، لازم يكون عندك ناموسية، وده ذاتو ما كفاية، إذا ما قفلت الناموسية كويس، ودخلت بعوضة عضتك وجاتك ملاريا، لوم نفسك ما تلوم البعوضة” والحكمة واضحة…
ما يحدث الآن ، هو تنفيذ لتلك الوثيقة المسربة بتفاصيلها المحزنة ولاحتمالات وجود ثقوب في الناموسية .. و لم يكن الانكار-حينها- سوى تمويه..
(5)
(جيش منتصر.. وشعب مقتدر)
هذا شعار احتفالات القوات المسلحة هذا العام ، ويا له من اختيار موفق..
لقد وقف الشعب بعزم مع جيشه ، وتدافع إلى ميدان المعركة ، بلا عصبية جهوية أو توجهات سياسية أو نعرات قبلية ، وتحققت ملحمة وطنية ، كانت مرحلة مشهودة..
ورغم حملات التخذيل من بعض القوى السياسية ، بل وفي واحدة من أكثر المواقف الوطنية درامية ، وقعت تلك القوى المتماهية مع الخارج على ميثاق مع قائد المليشيا الارهابية بأديس ابابا (يناير 2024م) .. وما زال أطراف منهم يكيلون الاتهامات ضد الجيش السوداني ؟..
فهل من العدل اقصاء من كان هنا و استدعاء من كان هناك واسترضاءه بكل السبل ؟..
الحوار السوداني مطلب كبير وغاية مهمة لا يمكن اختصاره في (تموضع) سياسي أو مكاسب سلطوية ، فمن يريد أن يكون بطلاً للحرب والسلام عليه أن يستصحب ناتج المعركة والميدان إلى دائرة المشاركة بالرأي والمشورة في أمر البلاد والعباد ، هذا كل المبتغى..
حفظ الله البلاد والعباد..
ولنا عودة بإذن الله
حكاية عودة الشهداء
أعلنت المقاومة الشعبية بمحلية شندي، بولاية نهر النيل، الثلاثاء، وضع حجر الأساس لأكبر نصب ت…





