‫الرئيسية‬ مقالات الجيوش الأصيلة لا تُستفز: الجيش السوداني بين الإرث القتالي وصلابة العقيدة 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

الجيوش الأصيلة لا تُستفز: الجيش السوداني بين الإرث القتالي وصلابة العقيدة 

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

يُعدّ الجيش السوداني أحد أعرق الجيوش في القارة الإفريقية والعالم العربي، إذ يمتد تاريخه العسكري إلى جذور عميقة ارتبطت بتكوين الدولة السودانية الحديثة، وتبلورت عبر عقود طويلة من الصراعات والتحديات التي صقلت خبراته القتالية ورسّخت عقيدته العسكرية. ولم يكن هذا الجيش مجرد مؤسسة نظامية تقليدية، بل كان نموذجًا متقدمًا في الانضباط والتكوين المهني، حتى غدت مناهجه التدريبية محل اهتمام وتقدير في العديد من الكليات والمعاهد العسكرية داخل وخارج السودان.

 

لقد شارك الجيش السوداني في مهام عسكرية متعددة خارج حدوده، وكان له حضور مشهود في عدد من مسارح العمليات الإقليمية والدولية، حيث أسهم في عمليات حفظ السلام، وشارك في مهام عسكرية مشتركة ضمن أطر عربية وإفريقية، الأمر الذي أكسبه خبرة ميدانية واسعة، وشهادة عملية على كفاءته القتالية. كما شهدت مؤسساته التعليمية العسكرية إقبالًا من متدربين وضباط من دول عربية وإفريقية، في دلالة واضحة على المكانة المهنية التي يحتلها في منظومة الجيوش النظامية.

 

ومن أبرز ما يميز الجيش السوداني هو عقيدته العسكرية الراسخة، التي تقوم على الصبر الاستراتيجي، والانضباط العالي، والقدرة على التكيّف مع مختلف البيئات العملياتية. فقد خاض هذا الجيش حروبًا طويلة ومعقدة، تُعد من بين الأطول في إفريقيا، حيث واجه تحديات أمنية متعددة الجبهات، امتدت عبر تضاريس متنوعة شملت الصحارى والجبال والغابات والمناطق الحضرية. ورغم ذلك، استطاع أن يحافظ على تماسكه المؤسسي، وأن يطوّر قدراته القتالية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المتغيرة.

 

لقد تعرّض الجيش السوداني، عبر تاريخه، لهجمات مكثفة ومدعومة من قوى خارجية، استخدمت فيها أدوات الحرب غير التقليدية، بما في ذلك الدعم اللوجستي والتسليحي لفصائل متمردة، في سياق صراعات إقليمية ودولية معقدة. ومع ذلك، ظلّ الجيش صامدًا، واستطاع في العديد من المحطات أن يستعيد زمام المبادرة، وأن يُلحق خسائر كبيرة بخصومه، مما يعكس مستوى الاحترافية والجاهزية العالية التي يتمتع بها.

 

ومن الشواهد البارزة على صلابة هذا الجيش، قدرته على الاستمرار في القتال رغم تعدد الجبهات، حيث لم تؤدِ الضغوط العملياتية إلى انهياره، بل زادت من تماسكه الداخلي، وأظهرت قدرته على إدارة المعارك في ظروف بالغة التعقيد. كما أن استمرارية مؤسساته التعليمية والتدريبية، رغم التحديات، تمثل دليلًا إضافيًا على عمق بنيته المؤسسية.

 

إن الجيوش الأصيلة لا تُستفز، لأنها تدرك أن قوتها لا تكمن في ردود الأفعال اللحظية، بل في تراكم الخبرة، وثبات العقيدة، وحسن التقدير الاستراتيجي. والجيش السوداني، بما يحمله من إرث تاريخي ومهني، يُجسد هذا المفهوم بوضوح، إذ ظلّ على الدوام قوة متماسكة، قادرة على الصمود في وجه التحديات، وعلى حماية الدولة في أحلك الظروف.

 

وعليه، فإن قراءة تاريخ الجيش السوداني لا ينبغي أن تتم بمعزل عن سياقاته الإقليمية والدولية، بل بوصفه تجربة عسكرية متكاملة، تستحق الدراسة والتحليل، ليس فقط لما حققته من إنجازات، بل لما تحمله من دروس في الصبر الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، والحفاظ على تماسك الدولة في وجه العواصف.

‫شاهد أيضًا‬

وداع عالم وداعية..رحيل البروفيسور محمد عثمان صالح يترك فراغا في الساحة العلمية والدعوية

بقلوب يعتصرها الحزن تنعى أسرة موقع 5Minute-News.com إلى الأمة الإسلامية والسودانية خاصة ال…