أغوار وأسرار الشخصية السودانية (10/10)
حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

لقد حلّقنا في هذه السلسلة، وغصنا في أغوار وأسرار حول العوامل التي شكّلت الشخصية السودانية، في إشارات كل حلقة منها يمكن أن تمتد لآلاف الكتب والمجلدات والبحوث والدراسات، وإنما ما قمنا به هو جهد المُقِلّ. واليوم سنتطرق لأعرق وأعظم مؤسسة أسهمت إسهاماً شكّل الشخصية السودانية وصاغ الهوية، فهي لم تذر ركناً من زوايا الشخصية السودانية إلا ومسته وكونته، فكانت الأصل وغيرها الفروع؛ إذ إنها لم تشكّل الهوية فحسب، إنما عرّفت الدولة التي انتقلت من الأفريقية الصرفة والمسيحية إلى الدولة الإسلامية العربية التي تقع في شمال أفريقيا، ألا وهي الخلاوي (جمع خلوة).
*أولاً: النشأة والتكوين*
يرجع تاريخ قيام الخلاوي في السودان إلى القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) عبر دخول الإسلام عن طريق التجارة والدعوة الصوفية، حيث كان الشيخ الصوفي يعتزل في مكان منفرد (خلوة) للعبادة والذكر وتعليم من حوله. وقد تحوّلت تلك الخلوات إلى مؤسسات تعليمية منتظمة مع قيام مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) الإسلامية وعاصمتها سنار (عاصمة إدارية) وحلفاية الملوك (عاصمة ثقافية) (1504 – 1821م)، حيث منح ملوك الفونج شيوخ الصوفية أراضي وقف (حواكير) ليقيموا عليها خلاويهم، فصار الشيخ معلماً وقاضياً ومرجعاً للمجتمع، وأصبحت بذلك الخلوة حاضناً للمجتمع والبؤرة التي تنداح منها الثقافة والتعليم واللغة والقيم الإسلامية السمحة من تكافل وإخاء، لتنطلق عبرها الشخصية السودانية إلى رحاب السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون.
وكان نظام الخلوة يقوم على أدوات بسيطة وغير مكلفة تُصنع كلها محلياً: من “اللوح” وهو بمثابة الورق الذي تتم عليه الكتابة، و”القلم” من البوص (نوع من الشجر)، و”الدَوَاية” وهي حبر يُصنع من الصمغ وما تسخّم من الكربون عند استخدام القدور وآنية الطعام التي تُستخدم في مطبخ الخلوة “التكية”. فالخلوة توفر الغذاء للطلبة، والأدوات زهيدة الثمن ومتوفرة، وكانت معظم الخلاوي توفر الكساء للطلبة الفقراء أو من وفد إليها من خارج مناطقها أو من خارج السودان. ونظام التعليم فيها متدرج وحسب رغبة المتعلم، ويبدأ التعليم في سن مبكرة من الخامسة، يتعلم الطالب (الفقير) الكتابة بتعلم الحروف ثم الحفظ المتدرج من جزء عمّ إلى ختم القرآن كاملاً لمن أراد، مع تعلم مبادئ الكتابة والحساب والفقه. ومع انتشار الطرق الصوفية كالختمية والسمانية والقادرية والمجذوبية، انتشرت شبكة الخلاوي من سنار إلى دارفور ومن دنقلا إلى كسلا، فأصبحت المدرسة الوحيدة في السودان قرابة أربعة قرون.
*ثانياً: التكوين الروحي واللغوي والاجتماعي*
غرست الخلوة في الوجدان السوداني قيم الصبر والزهد والتواضع والتسامح، ورسّخت اللغة العربية الفصحى في الألسن عبر الترتيل والتجويد برواية الدوري عن أبي عمرو. كما جمعت أبناء القبائل المختلفة على تكية واحدة وطعام واحد، فذابت العصبية القبلية، وترسخ مبدأ أن “الأكل للجميع”.
*ثالثاً: دور الشيخة والمسيد في تعليم النساء*
ولم يكن التعليم الخلوي حكراً على الرجال، بل قام إلى جواره “المسيد” الخاص بالنساء، وتولّت فيه “الشيخة” تحفيظ البنات القرآن وتعليمهن القراءة والكتابة وأحكام العبادات والمديح النبوي، فتكامل دور الشيخ والشيخة في بناء مجتمع متعلم من جذوره.
*رابعاً: من الخلوة إلى الاستقلال*
تحوّلت شبكات الخلاوي إلى بنية سياسية جاهزة عند بزوغ فكرة الاستقلال؛ فخلاوي الأنصار (كأم ضواً بان) كانت القاعدة التي انبثق منها حزب الأمة بزعامة السيد عبد الرحمن المهدي (1945م)، وخلاوي الختمية (كهمشكوريب) كانت القاعدة التي قام عليها الحزب الوطني الاتحادي بزعامة السيد إسماعيل الأزهري (1952م). والتقى الحزبان يوم 19 ديسمبر 1955م وصوّتا بالإجماع في البرلمان على إعلان استقلال السودان، لأن قواعدهما خرجت من مشكاة واحدة: الخلوة.
*خامساً: خريجو اللوح في قيادة الدولة والاقتصاد*
من الخلوة خرج السيد إسماعيل الأزهري (خلوة الأبيض)، والسيد الصادق المهدي (خلاوي أم درمان)، والبروفيسور عبد الله الطيب (خلوة التميراب)، والدكتور إبراهيم منعم منصور (خلاوي الجزيرة)، والدكتور عبد الرحيم حمدي (خلاوي الكدرو). وفي الاقتصاد برز الشيخ البرير محمد أحمد البرير (خلاوي ود نوباوي)، والشيخ مصطفى الأمين (خلاوي التي).ويعد اول من ادخل نظام الصيرفة في السودان بإنشائه لبنك فيصل الاسلامي 1977م
*سادساً: خريجو اللوح في الأدب والشعر والفن*
– *الأدب:* الطيب صالح (خلوة كرمكول)، وعلي المك (خلوة أم درمان).
– *الشعر (شعراء الحقيبة):* صالح عبد السيد أبو صلاح (أبو صلاح) الفقيه الحافظ، وعبيد عبد الرحمن، وخليل فرح، ومحمد ود الرضي — كلهم تلقوا تعليمهم الأولي في الخلاوي، فجاء شعرهم جزلاً عفيفاً موشّى بمعجم قرآني وصوفي ظاهر (الخطيبة وردفك منبرھا ، والجوھر الفرد، احرموني ولا تحرموني سنة الاسلام السلام ،ومن تعاطي المكروه عمدا غير شك يتعاطي الحرام ،ومن حور الجنان ،ھاروت سحرو مأخوذ من سحر عينانك ، الملائكة، الحور، الجنة، القيام، الحرام، الحلال)، حتى بدا كأن القصيدة الغزلية امتدادٌ للقصيدة الصوفية فإنك تكاد لا تجد قصيدة من شعر الحقيبة تخلو من التأثر بالثقافة الدينية
* الغناء :* عبد الكريم الكابلي بدأ بالمديح في الخلاوي، ومحمد وردي درس في خلوة “صواردة” وقال إن مخارج الحروف التي تعلمها على اللوح هي التي صنعت صوته وخضر بشير وعميد الفن احمد المصطفي العركي” عميد الغناء السوداني”
وبحسب قراءات التأريخ ووجھة نظر “التحليق ” فإن الخلوة لم تكن مدرسة لتحفيظ القرآن فحسب، بل كانت الدولة قبل الدولة. من لوحها خرج السياسي الذي أعلن الاستقلال، والاقتصادي الذي بنى المؤسسات، والأديب الذي كتب الرواية، والشاعر الذي نظم الحقيبة، والفنان الذي غنى للوطن. فالخلوة هي البداية، وما بعدها امتداد لصوتها.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الأحد 5 /أبريل/ 2026
حركة تحرير السودان: وحدة التراب خط أحمر والمليشيا ستندحر
أكد المستشار الإعلامي لحركة جيش تحرير السودان – المجلس الانتقالي، محي الدين شرف، أن…




