رماد الغربة.. صرخة صامتة في ليل بولاق الدكرور
أجيال النيل د. سهام موسى مصر

حين تنشق عتمة الليل في غرب الجيزة عن مأساة بحجم تلك التي شهدها شارع “إبراهيم عبد الفتاح” في بولاق الدكرور، فإن الأمر يتجاوز بمسافات شاسعة حدود الخبر الأمني الصادم ليصبح فاجعة إنسانية واجتماعية تضعنا جميعاً أمام مرآة الحقيقة العارية. كأخصائية علم نفس وباحثة في الإرشاد الأسري والمجتمعي، وقبل ذلك كإنسانة سودانية تتقاسم مع مجتمعها آلام الغربة والنزوح، لم أستطع تمرير فاجعة تلك الأم الثلاثينية التي قدمت الموت لفلذات كبدها الثلاثة في وجبة عشاء أخيرة قبل أن تتجرعه هي الأخرى، دون أن أتوقف عند “السم الخفي” الذي سبق سم الفئران إلى ذلك البيت؛ سم العزلة، والضغط النفسي المتفجر، والانهيار الأسري الصامت تحت وطأة واقع مرير حاصرها بين جدران الغربة والضيق.
إن هذا المشهد السريالي لأطفال بعمر الزهور (ثماني سنوات، خمس سنوات، وسنتان) تخمد أنفاسهم في حضن أمهم، ليس مجرد جريمة جنائية، بل هو عَرَض حاد لمرض مجتمعي ونفسي يفتك بالكثير من الأسر السودانية المغتربة في مصر حالياً. في علم النفس، نعلم تماماً أن إقدام الأم على الانتحار الجماعي وإنهاء حياة أطفالها لا ينبع من غياب غريزة الأمومة، بل من وصولها إلى حالة يُطلق عليها “اليأس المطلق والانغلاق المعرفي”، حيث يصور لها عقلها الواقع تحت وطأة صدمات متتالية وضغوط معيشية ونفسية ساحقة، أن الموت هو السبيل الوحيد لـ “حماية” أطفالها من عذاب أشد قسوة ينتظرهم في الدنيا. لقد كانت هذه الأم تصارع منفردة، في بيئة جديدة، بلا شبكة دعم نفسي أو أسري تسند تداعيها، حتى انقطع خيط الأمل الأخير في فجر ذلك اليوم الحزين.
هذه الفاجعة تدق ناقوس خطر هائل لا يمكن تجاهله أو الالتفاف حوله، وهو موجه مباشرة إلى الجهات المسؤولة عن شؤون الجالية السودانية في مصر، وعلى رأسها “المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر”. إن الدور المنوط بهذه الكيانات في ظل الظروف الاستثنائية الحالية لم يعد يقتصر على المعاملات الإجرائية، أو إقامة الفعاليات البروتوكولية، بل يجب أن يتحول فوراً وبشكل جذري نحو “الأمن النفسي والاجتماعي” للإنسان السوداني. إن غياب آليات واضحة للإرشاد الأسري والدعم النفسي المؤسسي داخل أروقة الجالية يُعد فجوة خطيرة تترك العائلات، والأمهات تحديداً، في مواجهة مباشرة مع الاكتئاب، والاضطرابات النفسية الناتجة عن الصدمات والنزوح والضغوط الاقتصادية، دون أي طوق نجاة.
إننا بحاجة ماسة ومستعجلة إلى تدشين مراكز ووحدات إرشاد أسري ونفسي متخصصة ومجانية، تعمل تحت مظلة المجلس الأعلى للجالية والجهات المسؤولة، وتضم كوادر مؤهلة من الاختصاصيين السودانيين القادرين على فهم الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمواطن السوداني. نحن بحاجة إلى خطوط ساخنة للدعم النفسي، وحملات توعية مستمرة تكسر “وصمة العار” المحيطة بالمرأد النفسي، وتدفع من يشعر بالضيق إلى طلب المساعدة قبل الفوات. إن إنقاذ الأم في المستشفى بعد فوات الأوان لتبدأ رحلة التحقيق والندم وحيدة، هو تجسيد حي لتأخرنا الفادح في تقديم الدعم؛ فالأهالي والجيران يتدخلون دائماً بعد أن تقع الكارثة، بينما دور المؤسسات المسؤولية هو استباق الكارثة وانتشال الأسر من حافة الهاوية قبل السقوط. لتكن دماء هؤلاء الأبرياء الثلاثة صرخة توقظ الضمائر المؤسسية، فللغربة أثقال لا تقوى الضلوع الضعيفة على حملها بمفردها، والإرشاد النفسي اليوم ليس ترفاً، بل هو خط الدفاع الأول عن الحياة.
مجلس الصحوة الثوري يدين أحداث كرنوي والطينة ويحمل الدعم السريع مسؤولية الانتهاكات
أدان مجلس الصحوة الثوري الأحداث التي شهدتها منطقتا كرنوي والطينة بولاية شمال دارفور، والتي…





