مؤتمر برلين… كيف يُعاد تشكيل السودان من الخارج تحت غطاء إنساني؟
م. أبوبكر شبو

ما يجري حول مؤتمر برلين المقرر انعقاده في 15 أبريل 2026 لا يمكن التعامل معه كفعالية دبلوماسية عادية، بل هو محطة متقدمة ضمن مسار دولي متكامل بدأ بمؤتمر باريس 2024، مروراً بلندن 2025، ويصل اليوم إلى مرحلة أكثر حساسية تتداخل فيها الأبعاد الإنسانية مع الترتيبات السياسية.
هذا المسار لم يعد يقتصر على حشد الدعم الإنساني أو الدعوة لوقف إطلاق النار، بل تطور إلى محاولة واضحة لإعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني عبر منصات دولية، وفي ظل معادلات لا تعكس بالضرورة التوازن الحقيقي داخل السودان.
المعطى الأول الذي لا يمكن تجاهله هو أن مؤتمر برلين يأتي بعد تحركات مكثفة في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، وبعد صدور تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن الفاشر في فبراير 2026، والذي أشار بوضوح إلى نمط من الانتهاكات التي قد ترقى إلى الإبادة الجماعية، خاصة في استهداف مجتمعات بعينها في دارفور.
هذا التقرير لم يبقَ في إطاره الحقوقي، بل تبعته مواقف رسمية من دول أوروبية رئيسية، دعت إلى توسيع حظر السلاح، وتشكيل تحالف دولي لمنع مزيد من الانتهاكات في السودان. هذه اللغة، في سياقها السياسي، تمثل انتقالاً من توصيف الأزمة إلى بناء أدوات ضغط دولي جديدة.
في هذا التوقيت تحديداً، يتم طرح مؤتمر برلين كمنصة جامعة، بتنظيم مشترك بين ألمانيا وشركاء دوليين، من بينهم الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي. ووفق التصريحات الرسمية، فإن المؤتمر يسعى إلى دعم “عملية مدنية” وإشراك “المجتمع المدني السوداني” بصورة فاعلة.
لكن السؤال الجوهري هنا: من الذي يحدد هذا المجتمع المدني؟ ومن يمنح هذه الجهات صفة التمثيل؟
المؤشرات المتاحة حتى الآن تُظهر أن الترتيبات الجارية لا تمنح الحكومة السودانية موقعاً مركزياً واضحاً، في مقابل تركيز كبير على إشراك كيانات وشخصيات مدنية يتم اختيارها عبر قنوات دولية. هذا النمط يفتح الباب عملياً أمام إعادة تعريف من يمثل السودان، خارج الإطار الوطني.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف حقيقية من إعادة تقديم قوى سياسية فقدت حضورها في الشارع السوداني، أو الدفع بوجوه جديدة من نفس الاتجاه، لتكون بديلاً سياسياً جاهزاً يتم تسويقه دولياً. المشكلة هنا ليست في فكرة المشاركة المدنية، بل في طبيعة الاختيار، ومدى ارتباطه بالواقع السوداني الفعلي.
الأمر لا يقف عند حدود التمثيل، بل يمتد إلى طبيعة الأطراف الدولية المشاركة. فقد وجّهت الحكومة السودانية اتهامات رسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة بدعم قوات الدعم السريع، كما تناولت تقارير دولية هذه الاتهامات وأشارت إلى تحقيقات ومؤشرات حول دعم لوجستي وتمويلي عبر الإقليم، رغم نفي الإمارات لذلك.
وفي المقابل، تظل الإمارات جزءاً من المشهد الدولي المرتبط بالملف السوداني، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الحياد، خاصة في ظل وجود أطراف متهمة بالتأثير المباشر في مجريات النزاع.
كما أن ما جرى في مؤتمري باريس ولندن يعطي مؤشراً مهماً لفهم مسار برلين. فقد حظيت تلك المؤتمرات بحضور دولي واسع، لكنها لم تُحدث تحولاً حقيقياً على الأرض، ولم تنجح في خلق توافق داخلي سوداني، بل أظهرت وجود فجوة واضحة بين ما يُطرح خارجياً وما يعيشه الواقع داخل السودان.
اليوم، يأتي مؤتمر برلين في سياق مختلف، حيث يتم الربط بشكل متزايد بين الملف الإنساني والمسار السياسي، مع تركيز واضح على بناء منصة تمثيل مدني. هذا الربط، رغم أهميته النظرية، يحمل في طياته مخاطر إذا لم يكن قائماً على توازن حقيقي وتمثيل عادل.
الخشية الأساسية ليست من انعقاد المؤتمر، بل من مخرجاته المحتملة، إذا تم بناؤها على تمثيل جزئي وانتقائي، أو إذا استُخدم الزخم الإنساني والحقوقي لتبرير ترتيبات سياسية لا تعكس الإرادة الوطنية.
في ظل هذه المعطيات، يصبح من المشروع طرح تساؤلات واضحة: هل يعكس هذا المؤتمر فعلاً واقع السودان؟ هل يمثل القوى الحقيقية على الأرض؟ أم أنه محاولة لإنتاج معادلة سياسية جديدة يتم تقديمها للمجتمع الدولي كأمر واقع؟
التعامل مع مؤتمر برلين يتطلب قراءة دقيقة بعيداً عن الشعارات، وفهماً لطبيعة المسار الذي ينتمي إليه. فالسودان اليوم ليس فقط في حالة صراع داخلي، بل أيضاً في قلب تفاعلات دولية معقدة، تسعى كل جهة فيها إلى حماية مصالحها أو فرض رؤيتها.
وفي نهاية المطاف، يظل السؤال الأهم: هل يمكن لأي مسار يُبنى خارج السودان، دون تمثيل حقيقي ومتوازن، أن يقود إلى حل مستدام؟
التجارب القريبة تقول غير ذلك… للميدان كلمته والفورة مية
إيطاليا تعزز دعمها الإنساني للسودان
مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني يلتقي مسؤولين إيطاليين لبحث دعم العمل ا…




