6 أبريل .. هل كان يمكن تفادي ما حدث
د. ياسر يوسف إبراهيم

في مثل هذا اليوم من العام 2019 وبعد صلاة الظهر بقليل قابلنا السيد الرئيس عمر البشير في مقر إقامته بالقيادة العامة رفقة عدد من الأحباب ( أحتفظ بأسمائهم ) ..
في الحقيقة وجدنا صعوبة في الدخول إلي المنزل علي الرغم من مرافقتنا لشخصية رفيعة ، وذلك بسبب أن بروتوكولات التأمين حول المطار ، القيادة العامة ومنزل الرئيس قد جري تغييرها ، وحتي حين جاء المرحوم اللواء ياسر بشير مدير مكتب الرئيس حيث كنا في البوابة الخاصة الملتصقة بالمطار الرئاسي رفض العساكر الذين كلفوا بحراستها تنفيذ تعليماته بالسماح لنا بالدخول ، إلا حين إتصل بلواء آخر مكلف بهذه المهمة ، جاء ذلك اللواء وتشاور مع المرحوم اللواء ياسر بشير قبل أن يسمح لعربتنا بالدخول ..
كانت الملاحظة الأولي في بيت الضيافة هي رائحة البمبان القوية ، وعلمنا من سعادة اللواء أن المتظاهرين إقتحموا منزل الرئيس مما اضطرهم لإستخدام ذلك البمبان .
دخلنا علي السيد الرئيس في الصالون الرئيسي ، كان يلبس جلابية ناصعة البياض وطاقية فقط ، بدا هادئا ومبتسما ( لعله لاحظ توترنا فأراد إمتصاصه ببعض القفشات ) ، بعد قليل دخل علينا في تلك الجلسة الفريق أول صلاح قوش مدير جهاز الأمن ، والذي قدم تقريرا شفاهيا للرئيس عما حدث ( أحتفظ بما قاله ) ، وبناء علي ذلك طلب الرئيس إستدعاء الفريق أول عوض بن عوف والفريق أول كمال عبدالمعروف ، في إنتظار حضورهما خرجنا مع الفريق صلاح قوش إلي فناء المنزل ودار بيننا حديث لتقييم ما حدث ، وأتذكر أننا إختلفنا مع تقييمه لما حدث ، حيث كنا نري أن هذه الخطوة خطيرة جدا ولها ما بعدها ، ( أحتفظ كذلك بتفاصيل الحوار) ، في وقتنا تلك حضر ابن عوف وكمال ودخلا علي الرئيس بينما إستأذنا للمغادرة ..
بغض النظر عن تفاصيل الأيام الأخيرة ، كانت الإنقاذ تعاني من ثلاث مشاكل ، كل واحدة منها كفيلة بإسقاطها ، الأولي كانت داخلية وهي الإنهاك المستمر الذي لازم الصف القيادي فيها والذي نتج من معاركة التحديات الداخلية والخارجية لفترة طويلة حتي بلغ منهم الجهد كله بالإضافة إلى تأثير الخلافات الداخلية والتي استحكمت في أحهزتها الحزبية والخاصة وصار تأثيرها مميتا بعد أحداث 2013 ، وعلي الرغم من تبني وثيقة الإصلاح الشامل والتغيير الواسع الذي تم في ذلك الوقت ولكن من الواضح أن الفتق كان قد اتسع بما لا يمكن رتقه بالمعالجات الإعتيادية ..
الثانية كانت المخططات الخارجية والتي لم تتوقف منذ بداية الإنقاذ ولكنها في السنوات التي أعقبت ما عرف بالربيع العربي إنتقلت من الخارج البعيد إلي الخارج الإقليمي القريب المسنود بالموارد المالية الهائلة والمتوجس من أي تجربة ذات خلفية إسلامية ، ونجح الخارج في الوصول لأماكن محصنة في قلب ( النظام ) مما كان له بالغ الأثر في زرع الشكوك ، ونزع الثقة ، وإثارة الغبائن ، ومن ثم إثارة الرأي العام وتهيئته ..
الثالثة كانت إستغلال الأزمات الإقتصادية التي كان بعضها مزمنا مقيما وبعضها مصنوعا حديثا ، فتم توظيف كل التجربة المتراكمة لمعارضة الإنقاذ والعمل علي توحيد تيارات المعارضة حول هدف محدد وهو ( تسقط بس ) ، والذي لم تنتبه له الإنقاذ أن العمل وسط ( المجتمع المدني) والشباب عبر التشبيك وإستغلال وسائل التواصل الإجتماعي بصورة سياسية كان مستمرا وبصورة مركزة بعد فشل أحداث 2013 ، وبينما كانت أجهزة الحزب ومنظماته الفئوية والجماهيرية تتحول كل يوم إلي أجهزة بيروقراطية علي حساب رساليتها وعمقها الجماهيري كان السخط المصنوع بدقة يتسلل وسط الجماهير..
علي كل وعلي الرغم من أن المتظاهرين ما كان لهم أن يصلوا إلى مقر القيادة العامة دون وجود النقطتين الأولي والثانية كان من الصعب استمرار ( النظام ) بتلك الطريقة ، والفرصة التي أضعناها كسودانيين هي أنه كان في أيدينا أن نحقق إنتقالا سلسا يحفظ البلاد ويحقق رغبة كثيرين في تحول ديمقراطي حقيقي..
شيئين أختم بهما ، وهما في نظري من الأهمية لو نفذت لتغيرت الأحداث ، الأول لو أن أجهزة الحكومة ( الرئاسة والبرلمان ) إتفقا علي إلغاء التعديلات الدستورية التي كان يناقشها البرلمان في في خطاب الرئيس في فبراير ولم يتفقا علي أن يكون رفضها حين القراءة الثالثة ليبدو البرلمان وكأنه قام بدوره كاملا ، هل كان سيغير الأحداث ؟؟
لو أن المهندس عمر الدقير إستقبل الرئيس البشير في منزله بعد إطلاق سراحه من المعتقل ولم يعتذر ( بلطف ) وقبل عرض الرئاسة بتولي رئاسة الوزراء التي ذهبت للمرحوم إيلا بعد ذلك ، هل كان سيغير من الأحداث شيئا ..
مليشيا تتجول في حينا وكمائن نجونا من اسرها.. (1)!!
من الايام المرة التي عشتها وعاشها كل الشعب السوداني حتي الذي يسكن الولايات الامنة…تل…





