‫الرئيسية‬ مقالات سقوط الإنقاذ .. بعض مما يمكن قوله
مقالات - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

سقوط الإنقاذ .. بعض مما يمكن قوله

د. ياسر يوسف ابراهيم

شهادات لأول مرة عن اللحظات الأخيرة لسقوط الإنقاذ

ماذا طلب الرئيس البشير من الفريق بكري ليلة التغيير

كيف سقطت الإنقاذ فعليا من داخل الغرف المغلقة

كواليس ماقبل تلاوة البيان وأين كانت تتواجد قيادات الحرية والتغيير في تلك اللحظات

ماذا قرر الرئيس البشير في أول اجتماع بعد بداية الاحتجاجات في الشمالية ونهر النيل ؟

سبع سنوات مرت منذ أن أذاع الفريق أول عوض بن عوف بيانه معلنا إسقاط تجربة الإنقاذ ( والتحفظ علي رأس النظام ) ، بينما كانت القيادة العامة محاطة بآلاف المعتصمين ..

 

في مذكراته القيمة قال الراحل أحمد أمين ( لن أقول كل الصدق ، ولكن لن أقول إلا الصدق ) ، والظروف التي أحاطت بسقوط الإنقاذ ، والتربص الذي لازم كل الفترة بعد سقوطها وما يزال ، والأمل المرتجي في تماسك التيار الوطني والإسلامي لمواجهة أعتي حملة تفكيك يشهدها السودان ، كلها أسباب تجعل المرء يمسك عن بعض الشهادات ( والأسرار ) في الوقت الحاضر ، فما كل ما يعرف يصلح أن يقال في كل الأزمان ، وما بين هذا وذاك أسطر هذه الكلمات ، جلها معروف للعامة وبعض منها تجربة خاصة قد تصلح أن تروي للأيام ..
ومفتتح القول إن تقييم تجربة الإنقاذ بحاجة إلي تناول أكثر عمقا وأوسع مدي ، وهو مما لا تسمح به طبيعة الكتابة للصحافة التي تجري وراء الأحداث الجارية أو كما سماها المفكر السعودي إبراهيم السكران واتخذها عنوانا لكتابه المهم ( الماجريات ) ،

 

وسنحاول التركيز هنا علي الأيام الأخيرة ( مشهد الختام ) بلغة المسرح تمشيا مع ما يتوقعه قراء الصحف وما تسمح به صفحاتها ، كما سنركز بصورة أكثر علي العامل الداخلي المتعلق بالقصور الذاتي لقراءة الإنقاذ من الداخل ليس لأنه الجانب الأكثر خفية عن الرأي العام فقط ولكن لأنه العامل الأساسي في سقوط الإنقاذ ..

 

يمكن القول إن طريقة التعامل مع المظاهرات التي إندلعت في ديسمبر عند النخبة القيادية للإنقاذ تلخص أجواء مشاهد الختام للتجربة كلها ، فقد تراوحت ما بين الإنكار والتهوين إبتداء ، ثم تطورت إلي الإعتراف بها ولكن دون الغوص في أسبابها الحقيقية والمصطنعة ، وانتهت أخيرا إلي ما يشبه العجز في التعامل معها حتي أذاع ابن عوف بيانه ..
وتكمن العلة الرئيسية في تلك الطريقة من التعامل إلي الإنهاك الذي أصاب الأجهزة والمؤسسات المعنية بالتعامل مع الأزمات والطوارئ ، ذلك أنها ظلت في حالة من الإستنفار لسنوات متتالية ، وكثير منها كان يعاني من الترهل وفقدان المرونة والتكلس في صفها القيادي ،

 

وكانت التباينات الداخلية المستمرة سنين عددا قد فعلت فعلها كذلك في إحداث التباعد النفسي بين بعض القيادات بعضها البعض أو بينها وبين بعض الأجهزة ..
يمكن إعتبار تاريخ تبني وثيقة الإصلاح الشامل نقطة جوهرية لسقوط الإنقاذ ، ولا يفصل بينه وبين إنفصال جنوب السودان الكثير من الزمن ، إذ برزت في تلك اللحظة الدعوات الجهرية بضرورة التغيير الشامل في الطبقة القيادية ، وقطع الأمر شوطا مقدرا ولكنه توقف عند موقع رئاسة الحزب والجمهورية ، وأتذكر أني وثلة كريمة من شباب الحزب قابلنا الشهيد الزبير أحمد الحسن بمكتبه بمركز دراسات المستقبل حيث كانت الحركة الاسلامية تتخذه مقرا لها ، وذلك في نهار يوم إجتماع المكتب القيادي المنتظر في السابع من ديسمبر عام 2013 وناقشناه في التعديلات المرتقبة ، وكان من بين ما قاله لنا أنه عائد لتوه من مزرعة الرئيس ( وقد ناصحته أن يتمسك بقراره عدم الترشح للإنتخابات الرئاسية المنتظرة في عام 2015 ، وألا تسمح لشياطين الإنس والجن أن يؤثرا عليك فتغير قرارك ) ..

 

كرست قرارات المكتب القيادي بالتغيير الكبير وما تلاها من ترشيح الرئيس في إنتخابات 2015 أجواء التنافر النفسي داخل الصف القيادي ، وصار من المعلوم تصنيف قيادات الصف الأول بين هذا التيار وذاك ..

 

 

بعد نتائج إنتخابات عام 2015 بدت العلاقة بين الحزب والحركة الاسلامية من جهة والرئاسة من جهة أخري فاترة ، كما أنه في تلك الفترة بدأت دوائر ما تعمل علي توسيع الشقة بين ( المدنيين والعسكريين ) بصورة ممنهجة ومكثفة ..
وانتهت تلك التفاعلات إلي نشوء مراكز متباعدة علي الرغم من وجود لجان التنسيق المتعددة ، فالمؤسسة العسكرية تكاد تكون إستقلت بقرارها عن المطبخ السياسي للإنقاذ ، حتي إذا ما جاء ابن عوف إستكملت حلقات إستقلالها عن الأجسام الحزبية ، وما يؤكد هذه الإستقلالية هو ما حدث في إجتماع اللجنة العليا برئاسة البشير في بدايات فبراير من العام 2019 ، ففي ذلك الإجتماع إحتج رئيس البرلمان إبراهيم أحمد عمر علي الأداء العام للجنة الأمنية ، لم تعجب مداخلته عوض ابن عوض رئيس اللجنة الأمنية فاحتد معه في النقاش ، وهو أمر لم يكن معتادا في التعامل مع البروفيسور إبراهيم أحمد عمر الذي يحظي بتقدير خاص في الأوساط الحزبية والرسمية ، وهو الأمر الذي دعا الفريق بكري للتدخل آمرا ابن عوف بالصمت ، وكان من تداعيات ذلك الإجتماع الذي رأي فيه الرئيس التباين الكبير بين الأجهزة والمؤسسات احتدم أن طلب عقد إجتماع عاجل للمكتب القيادي بغرض تسليم السلطة فورا ، ولكن تدخلت مساع هنا وهناك واحتوت الأمر ..

 

أما الهيئة القيادية العليا التي من المفترض أن تكون نظريا هي الناظم ( للحاءات الثلاث ) فقد تباعدت إجتماعاتها إن لم تنعدم خاصة بعد بروز دعوة الترشيح في 2017 ,

 

كانت القيادة السياسية علي وعي كبير بطبيعة التحديات ، إذ أتذكر أنه في العام 2016 ومع بدايات الحديث عن إعادة ترشيح البشير في إنتخابات 2020 المنتظرة قابلت المهندس إبراهيم محمود نائب رئيس الحزب في منزله الكائن بالمنشية شرق الخرطوم وناقشته حول هذه الدعوات ، كان رده أن التحدي الأساسي اليوم هو التحدي الإقتصادي ، وما لم نتدارك الأمر بخطة واضحة وبسرعة فإنه لن يتسني لنا بلوغ العام 2020 نفسه ..

 

في يناير من العام 2018 إنعقد مجلس شوري المؤتمر الوطني وشهد نقاشا حادا في جلسته الأخيرة ، جلسة إجازة التوصيات فيما يتعلق ببند تعديل النظام الأساسي للسماح بإعادة ترشيح رئيس الحزب لرئاسة الجمهورية ، كان من أبرز الذين رأوا أن الوقت غير مناسب لهذا الأمر الشهيد الزبير أحمد الحسن ، والدكتور عصام أحمد البشير ، وآخرون ، وانتهي الأمر بإرجاء مناقشة التوصية لوقتها المناسب ، وهو الأمر الذي قاد لاحقا لتغييرات كبيرة في الحزب والحكومة قضت بخروج الباشمهندس إبراهيم محمود والفريق أول بكري من التشكيلة ، وفي ظني فإن ذلك القرار كان مريحا لهما من حرج كبير ظلا فيه زمنا ، حيث كانت رؤيتهما متطابقة حول أولوية الإصلاح الإقتصادي علي ما عداه من قضايا ، في الوقت الذي كانت الضغوط النفسية كثيرة عليهما لإعلان موقف من قضية الترشيح ، وفي تلك الأجواء ولدت ( اللجنة الأمنية ) التي قامت بالإنقلاب لاحقا ، فقبل خروجهما بأسابيع تم تعيين الفريق أول صلاح قوش لرئاسة جهاز المخابرات ، وقد كان مفهوما وقتها أنه جزء من حملة التغيير التي ترتبت علي قرارات مجلس الشوري ، ثم لاحقا تم تعيين الفريق ابن عوف نائبا أول ووزيرا للدفاع ..

 

بعد سقوط الإنقاذ قابلت الفريق أول بكري حسن صالح في شهر رمضان المعظم بمنزله ، وجدته كعادته بشوشا مرحا ، وبإعتباره ضابطا عظيما في الجيش كانت مظاهر الحراسة خارج المنزل كما كانت عليه قبل الإنقلاب ، مازحته قائلا ( العساكر ديل لي حراستك ولا حراستك ) رد سريعا ( الإثنين ) ..
سألته مالذي حدث ؟ أجاب بنبرة هادئة بأنه وبعد إبلاغه بقرار رفع المسؤولية عنه كان قد نقل للرئيس بعض المعلومات عن تحركات ترقي لأن تكون تحضيرا لإنقلاب ، أجابه الرئيس ( عارف ، عارف ، عارف ) ..

 

وفجر الإنقلاب تلقي مكالمة من الرئيس تنقل له ما دار بين الرئيس والبرهان ومحمد عبدالله ، ووصاه الرئيس بمساعدة الفترة الجديدة والوقوف معها وعدم مقاومة التغيير ، وهذه ستؤكد للقارئ ما قاله البروف غندور عن المعارضة المساندة ، وتدحض أي زعم بأن ( الكيزان أفشلوا حكومة حمدوك ) ..
لقد كان مشهد الختام مربكا لكثير من عضوية الحزب وذلك من واقع تحركات ال ( 48 ) ساعة التي أعقبت الإنقلاب ، ومن واقع الشخصيات التي قادت التغيير ، ثم من محمول تجربة الإنقاذ السابقة والمستقرة في الأذهان ..

‫شاهد أيضًا‬

بروتوكول مشترك بين صندوق رعاية الطلاب وكلية الموسيقى والدراما لتطوير مهارات الطلاب الإبداعية

وقّع الصندوق القومي لرعاية الطلاب وكلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان ، اليو، بروتوكول …