السودان.. تفكيك آليات الاستنزاف خلف ستار الحرب
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست كل الفوضى صدفة ، وبعض الصراعات لا تُخاض لتُحسم، بل لتُدار.
في ١٤ أبريل…
لا نحتاج إلى استعادة المشهد كما كان،بل إلى فهم كيف صار كما هو الآن.
لأن ما جرى في السودان خلال ثلاث سنوات ليس مجرد انفجار مفاجئ… بل مسار له منطق داخلي، وأدوات محددة، ونتائج يمكن تتبعها خطوة خطوة.
وإذا لم نفكك هذا المنطق… سنظل نكرر السؤال الخطأ: من المخطئ؟
بدل السؤال الأهم:
كيف تم تفكيك الدولة أمام أعيننا؟
أولاً: البداية الحقيقية لم تكن ١٥ أبريل
الخطأ الأول في فهم ما حدث… هو اختزال البداية في من أطلق الرصاصة الأولى .
لكن الحقيقة أن ١٥ أبريل لم يكن بداية،بل نتيجة. فالمرحلة الحقيقية بدأت قبل ذلك بسنوات، وذلك عندما تم :
○ السماح بوجود قوة عسكرية موازية
○ منحها شرعية قانونية جزئية
○ توسيع نفوذها الاقتصادي خارج رقابة الدولة
هنا تحديدًا… تم زرع “نقطة اللاعودة”.
لأن أي كيان يمتلك:
• السلاح
• المال
• والشرعية الجزئية
لن يقبل أن يبقى تابعًا إلى الأبد.
بالتالي السؤال الذي يجب أن يُطرح:
> من الذي قبل بهذه المعادلة أصلًا؟ ولماذا لم يُنظر إلى مآلاتها؟
ثانياً: لماذا لم تُحسم المواجهة في أيامها الأولى؟
منطق الحروب يقول إذا كانت هناك دولة وجيش نظامي… فالحسم يجب أن يكون سريعًا. لكن ما حدث في السودان كان العكس تمامًا.
السبب ليس فقط “تعقيد المعركة”، بل طبيعة الأدوات المستخدمة.
فقوات الدعم السريع لم تدخل المعركة كجيش تقليدي،
بل كقوة:
• مرنة الحركة
• منتشرة داخل المدن
• تعتمد على الاندماج مع البيئة المدنية
وهذا غيّر قواعد اللعبة بالكامل.
لأن أي محاولة للحسم السريع
تعني تدمير المدن نفسها.
وهنا تدخلنا في معادلة معقدة كلما حاولت الدولة أن تحسم…دفعت ثمنًا إنسانيًا وسياسيًا أكبر.
هنا تم استبدال الحسم بـ”الإدارة”.
ثالثاً: كيف تُدار الفوضى عمليًا؟ (تفكيك الآليات)
الفوضى ليست غياب النظام… بل أحيانًا تكون نظامًا بديلاً. وما جرى في السودان يمكن تفكيكه إلى آليات واضحة:
١. آلية الاستنزاف البطيء
• لا معارك حاسمة
• لا سيطرة كاملة
• فقط ضغط مستمر
■ النتيجة: الدولة تضعف تدريجيًا… دون أن تنهار فجأة.
٢. آلية ضرب الثقة
• المواطن لا يشعر بالأمان
• الخدمات تتآكل
• المؤسسات تختفي
■ النتيجة: تفقد الدولة معناها في ذهن المواطن قبل أن تفقد وجودها على الأرض.
٣. آلية تفريغ المدن
• نزوح جماعي
• إفراغ أحياء كاملة
• انهيار النشاط الاقتصادي
■ النتيجة: مدن بلا سكان فاعلين… أي بلا مقاومة مجتمعية.
٤. آلية الاقتصاد الموازي
•نهب منظم
•سيطرة على الموارد
•تداول نقدي خارج النظام الرسمي
■ النتيجة: ظهور “دولة مالية” موازية لا تخضع لأي سيطرة مركزية.
٥. آلية كسر الإيقاع
• لا استقرار
• لا تصعيد كامل
• لا تهدئة حقيقية
■ النتيجة: المجتمع يعيش في حالة “إرهاق دائم”، يفقد معها القدرة على الفعل أو حتى الفهم.
رابعاً: لماذا يُترك الصراع ليستمر؟
هذا هو السؤال الذي يبدأ عنده الفهم الحقيقي.
لو كان الهدف هو الحسم…لكان هناك ضغط حقيقي لإنهاء الصراع.
لكن استمرار الوضع بهذه الصورة
يشير إلى أن هناك مكاسب تُجنى من بقاء الأزمة.
بعض هذه المكاسب:
• إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة
• التحكم في الموارد بعيدًا عن المركز
• إضعاف أي إمكانية لقيام دولة قوية مستقلة
وهنا نصل إلى فكرة خطيرة السودان لا يُستهدف فقط كأرض…
بل كفكرة “دولة قابلة للحياة”.
خامساً: التغيير الديموغرافي… ليس عرضًا جانبيًا
حين تُفرغ مدينة مثل الخرطوم من سكانها، فهذا ليس مجرد نتيجة للحرب.بل تحول استراتيجي. لأن السيطرة على الأرض لا تتم فقط بالسلاح،
بل بـ:
• من يسكنها
• ومن يغادرها
• ومن يُمنع من العودة إليها
وهنا يصبح السؤال:
● هل ما يحدث عشوائي؟
● أم أننا أمام إعادة تشكيل مقصودة للخريطة السكانية؟
سادساً: أين أخفقت الدولة تحديدًا؟
الحديث العام عن “ضعف الدولة” لا يكفي.
يجب أن نحدد بدقة:
١. فشل في التقدير المبكر:
تم التقليل من خطورة تضخم القوة الموازية.
٢. فشل في القرار:
لم تُتخذ خطوات حاسمة في الوقت المناسب.
٣. فشل في إدارة المعركة:
تم الانتقال من منطق الحسم إلى منطق رد الفعل.
٤. فشل في التواصل:
المواطن تُرك دون تفسير واضح لما يحدث.
وهذا أخطر من كل ما سبق… لأن الغموض يقتل الثقة.
سابعاً: المواطن… لماذا لم يعد يسأل؟
في البداية… كان السؤال: متى تنتهي الحرب؟
اليوم…
حتى هذا السؤال تراجع. وهذا مؤشر خطير. لأن المواطن حين يتوقف عن السؤال… فهو لا يتكيف… بل يستسلم تدريجيًا للواقع.
ثامناً: إعادة تعريف ما يجري
بعد هذا التفكيك…
يمكننا أن نقول بوضوح ما يجري في السودان هو عملية مركبة تقوم على:
• خصخصة العنف
• إدارة الفوضى
• استنزاف الدولة
• وإعادة تشكيل المجتمع
• وليس مجرد “حرب”.
تاسعاً: السؤال الذي يجب أن نواجهه إذا فهمنا الآليات…
فالسؤال لم يعد: ماذا يحدث؟
بل أصبح هل ما زال بالإمكان عكس هذا المسار؟
وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق:
• هل نملك الإرادة لإعادة بناء الدولة…
• أم سنكتفي بالتكيف مع غيابها؟
عاشراً: من الفهم إلى الفعل (رؤية الجسر والمورد)
أي حل حقيقي يجب أن يبدأ من تفكيك ما سبق:
● إلغاء تعددية السلاح إذ لا إصلاح دون مركزية القوة.
● تفكيك الاقتصاد الموازي لأن المال هو وقود الصراع.
● إعادة توطين السكان كأولوية سيادية، لا إنسانية فقط.
● بناء سردية واضحة لأن المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن الأرض.
#أصل_القضية – حين تبدأ الأسئلة الصحيحة
هذا المقال لا يقدم إجابات نهائية…
بل يحاول أن يعيد صياغة الأسئلة.
لأن المشكلة في السودان لم تكن يومًا نقص المعلومات، بل سوء الفهم وتفشي الشائعات.
وحين يفهم القارئ ما يحدث حقًا…
لن يكتفي بهزّ رأسه. بل سيبدأ بالسؤال:
● كيف وصلنا إلى هنا؟
● ومن يملك القدرة—والإرادة—ليأخذنا إلى مكانٍ آخر؟
لأن أخطر ما في ما يحدث… ليس ما فقدناه، بل ما بدأنا نعتبره طبيعيًا.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
لقاء تكامل الرؤي بين وزير (الثروة) و (والى) الخرطوم
وفي الاخبار ان لقاءا تم بين وزير الثروة الحيوانية بروفيسور أحمد التجاني المنصوري وأحمد عثم…





