‫الرئيسية‬ اخبار السودان نحو ميثاق مهني جديد: الصحافة السودانية بين التحديات الوجودية وتطلعات التغيير
اخبار السودان - ‫‫‫‏‫43 دقيقة مضت‬

نحو ميثاق مهني جديد: الصحافة السودانية بين التحديات الوجودية وتطلعات التغيير

شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تواجه الصحافة السودانية في اللحظة الراهنة مخاضاً عسيراً، لا يقتصر فقط على الجوانب المادية والتشغيلية، بل يمتد ليشمل جوهر الهوية المهنية والدور الوطني في ظل متغيرات سياسية وأمنية بالغة التعقيد. إن ما كشفت عنه التحركات الأخيرة داخل الأروقة النقابية والوزارية يضعنا أمام استحقاق تاريخي يتطلب الانتقال من “مرحلة الصمود” إلى “مرحلة التأسيس” لواقع صحفي يحمي الحقوق، وينظم الواجبات، ويُعلي من شأن السيادة المهنية فوق الانتماءات الضيقة.

 

لا يمكن الحديث عن استعادة الصحافة الورقية أو تعزيز المؤسسات الإعلامية دون فك الحصار الاقتصادي عن “صناعة الوعي” ومعالجة الاختلالات الهيكلية في تكلفة الإنتاج. إن التوجه نحو إعفاء المدخلات التشغيلية من الرسوم والضرائب ليس “امتيازاً” للصحفيين، بل هو قرار استراتيجي لحماية حق المواطن في المعرفة، إلى جانب دعم المدخلات بالسعي لإعفاء الرسوم الجمركية والضريبية على الورق والأحبار ومعدات الطباعة يمثل شريان الحياة الذي سيعيد للمكتبة السودانية بريقها، وتفعيل المظلة الاجتماعية بتدشين “صندوق دعم الصحفيين” والشراكات مع المؤسسات الإنتاجية والخدمية (القطاعات الزراعية والصناعية) يعكس إدراكاً عميقاً لحجم المعاناة التي يعيشها الصحفي السوداني، سواء النازح في الولايات أو اللاجئ في دول الجوار، مما يضمن له حداً أدنى من العيش الكريم بعيداً عن الاستقطاب المادي.

 

ضرورة التحصين القانوني والسيادة المهنية فإن الأخطر من “توقف المطابع” هو “اختطاف المهنة”. وهنا تبرز أهمية القانون الجديد للصحافة والمطبوعات الجاري صياغته حالياً. هذا القانون يجب أن يكون درعاً للحريات وليس سيفاً عليها، مع ضرورة التركيز على تنقيح السجل الصحفي لضمان استبعاد العناصر الدخيلة التي تستخدم الصحافة كواجهة لتمرير أجندات لا صلة لها بالعمل الاحترافي، إلى جانب الاستقلالية النقابية وضرورة وجود مظلة نقابية موحدة تجمع الشتات الصحفي وتعمل بمعزل عن التجاذبات الأيديولوجية أو الجهوية، لتكون المرجع الأساسي أمام المؤسسات الدولية، وتطوير القوانين بالانتقال من قانون 2009 إلى تشريع عصري يستوعب طفرة الإعلام الرقمي وتحديات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب تكثيف الدورات التدريبية النوعية لرفع كفاءة الكادر البشري.

 

لقد أثبت الإعلام الوطني السوداني، رغم شح الإمكانات، أنه حائط الصد الأول في مواجهة خطاب الكراهية ومحاولات تمزيق النسيج الاجتماعي، وأنه كان ولا زال في خندق معركة الكرامة”، و إن التوصيف الذي أطلقه القائمون على الشأن الثقافي بأن الصحفيين هم “صناع قرار” ليس مجرد ثناء، بل هو تكليف يفرض على الوسط الصحفي، التمسك بالوحدة الوطنية ونبذ الاستقطاب القبلي، ودعم مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في الحفاظ على كيان الوطن، والمساهمة في ترسيخ قيم السلام المستدام عبر محتوى إعلامي رصين ومسؤول.

 

يبقى الهدف الأسمى لكل هذه التحركات هو الوصول إلى الصناديق بانتخابات حرة ونزيهة تفرز قيادة شرعية تمثل إرادة الصحفيين. إن العمل تحت “قانون الطوارئ” أو في غياب الإطار القانوني الدائم هو وضع استثنائي يجب أن ينتهي بمجرد ترتيب البيت الداخلي و تنقيح السجل.

 

إن تكاتف الجهود بين المكون النقابي والجهات التنفيذية بالدولة، مع ضمان استقلالية القرار المهني، هو الطريق الوحيد لضمان عدم عودة الصحافة إلى “مربع التمكين” أو “التغييب القسري”. فالصحافة القوية هي الضمانة الحقيقية لمستقبل سوداني ديمقراطي ومستقر.

‫شاهد أيضًا‬

منطق العنف في مرآة الانهيار

ليس العنف مجرد فعلٍ يُرتكب… بل هو لغةٌ عندما تفشل اللغات الأخرى في إنتاج المعنى.   في…