سيادة السودان.. لماذا تفشل برلين حيث ينجح الشعب؟
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في ذكرى مرور ثلاثة أعوام على اشتعال فتيل التمرد في الخامس عشر من أبريل، تطل علينا العاصمة الألمانية “برلين” بمؤتمر جديد يُعقد تحت لافتات إنسانية براقة، لكنه في جوهره يمثل سقطة دبلوماسية ونهجاً معطوباً يتجاوز أبسط مبادئ القانون الدولي. إن محاولة تقرير مصير دولة بحجم السودان، وتاريخها الضارب في الجذور، عبر غرف مغلقة في أوروبا ودون تنسيق أو تشاور مع حكومتها الشرعية، ليس مجرد خطأ إجرائي، بل هو تجسيد حي لعقلية “الوصاية الاستعمارية” التي ترفض الاعتراف بأن الشعوب الحرة هي وحدها من تملك مفاتيح الحل.
إن الرفض الرسمي والشعبي العارم الذي قوبل به مؤتمر برلين لم يأتِ من فراغ، بل هو استبصار واعٍ لمخاطر “الحلول المفروضة”. كيف يمكن لمؤتمر يزعم البحث عن حلول للأزمة السودانية أن يتجاهل الطرف الأصيل والمسؤول عن الشأن العام؟ إن تغييب الحكومة السودانية يجعل من هذا اللقاء مجرد “ملتقى للعلاقات العامة” أو “مؤانسة سياسية” تفتقر للشرعية والفاعلية.
هذا المنهج الانتقائي في الدعوات يعزز الشكوك حول وجود أجندات مسبقة تهدف إلى صناعة واقع سياسي مشوه، يُمنح فيه “المتمرد” و”الإرهابي” مقعداً مساوياً لمؤسسات الدولة الوطنية. إن المساواة بين القوات المسلحة التي تذود عن كيان الدولة وبين مليشيا مارست أبشع أنواع الانتهاكات والإبادة الجماعية، هي سابقة خطيرة تقوض أسس الأمن الإقليمي وتكافئ الجريمة بدلاً من معاقبتها.
بينما تنعقد الجلسات في برلين، كانت شوارع الخرطوم ومدن العالم تشهد حراكاً مختلفاً؛ تظاهرات عفوية ووقفات احتجاجية لأبناء الجالية السودانية والمتضامنين، أكدت بوضوح أن الحل لا يخرج من معاطف السياسيين في الغرب، بل من إرادة الشعب الملتف حول قواته المسلحة في “معركة الكرامة”.
إن الهوة بين ما يطرح في الغرف المغلقة وبين واقع الإنسان السوداني الذي يعاني من ويلات النزوح وجرائم المليشيا هي جوهر الفشل. المؤتمر، كامتداد لمؤتمرات سابقة في باريس ولندن، لم يقدم أثراً ملموساً على الصعيد الإنساني، بل ظل أسير توصيفات خاطئة ومتحاملة للحرب، معتبراً إياها مجرد نزاع بين طرفين، متجاهلاً حقيقة أنها حرب مفروضة تستهدف وجود الدولة السودانية ذاتها.
لقد كان موقف الدولة السودانية قاطعاً: لا سلام إلا “سلام الشجعان المنتصرين” الذي يرتضيه الشعب، ولا مبادرات مقبولة ما لم تمر عبر بوابة السيادة الوطنية. إن السودان، الذي طرح مبادرته للسلام أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025، يؤكد انفتاحه على كل جهد صادق، شريطة أن يحترم وحدة أراضيه وخصوصية واقعه.
يمكن تلخيص أزمات مؤتمرات “الوصاية” في نقاط جوهرية تشمل فساد الأجندة وتغليب المصالح السياسية للقوى الخارجية على الاحتياجات الإنسانية الحقيقية، والتشخيص الخاطئ بمحاولة إنتاج “الاتفاق الإطاري” بنسخ جديدة لإعادة إدماج القوى التي أشعلت الحرب في المشهد السياسي، إلى جانب عزل صاحب المصلحة بتوجيه الدعوات لأطراف لا تمثل إلا نفسها، وتغييب الغالبية العظمى من الشعب السوداني ومؤسساته الرسمية.
إن الوعي الذي أبداه السودانيين بالداخل والخارج، والتحذيرات الأكاديمية والسياسية من مغبة الانزلاق خلف الحلول الجزئية، يثبت أن السودان عام 2026 ليس هو سودان ما قبل الحرب. لقد استبصر الشعب من تجربته المريرة، وبات يدرك أن المبادرات التي تُحاك في الظلام لن تنتج إلا مزيداً من الاستقطاب.
سيظل “ميدان الكرامة” هو المرجعية الوحيدة لرسم مستقبل البلاد، وستظل السيادة الوطنية خطاً أحمر تتكسر عنده كافة سيناريوهات التآمر. فالحلول التي لا تنبع من تراب الوطن، ولا تحترم دماء شهدائه، ولدت ميتة، ولن يحصد منظموها سوى خيبة الفشل وسخط التاريخ.
مجلس الوزراء: امتحانات دبلوم التدريب المهني والتلمذة الصناعية نقطة مهمة في إعادة إعمار الوطن
عكف مجلس الوزراء في اجتماعه اليوم برئاسة رئيس المجلس الدكتور كامل ادريس على مناقشة امتحانا…











