مؤتمر برلين والتناقض البنيوي
حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

إلى هؤلاء وأولئك: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. لقد أخطأ دعاة ورعاة مؤتمر برلين حين ظنوا أن النفس تُباع والكرامة تُھان لمجرد أنك تملك المال الذي تشتري به الغذاء والدواء، وأن المادة هي كل شيء في ھذا الوجود وبھا تركع الأوطان. وعجبت لأقوام يعيشون على حافة الحياة بلا مبادئ ولا أخلاق ولا نبل، يتاجرون بمصائر الشعوب وحياتها بالضغط على الدول التي أنهكتها الحروب المصنوعة والمدعومة منهم وبأيديهم، ثم يأتون ليُصوّروا لشعوبهم أنهم الحمل الوديع وحمائم السلام وإخوان الإنسانية. وكل ذلك ھراء إذا أعملنا الفكر حول مؤتمر برلين والداعمين له نجد كثيراً من التناقضات.
التناقض الأول والأعمق هو التناقض بين شعار “الملكية السودانية” وواقع “الوصاية الدولية”. الوثيقة السياسية للمؤتمر تنص على أن الحل يجب أن يكون بملكية وقيادة سودانية ويجسد تطلعات الشعب. لكن الداعي كان ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا. والمكان كان برلين بعد تحضيري في أديس أبابا. والذي صاغ المسودة واختار المدعوين الأربعين هو الآلية الخماسية المكونة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وإيغاد. هذه ليست ملكية سودانية، هذه وصاية ناعمة مغلفة بعبارات مهذبة. الملكية تعني أن صاحب الدار هو من يدعو الضيوف ويضع جدول الأعمال، لا أن يأتي الضيوف ليحددوا لأهل الدار كيف يديرون بيتهم. عندما تقول للسودانيين “هذا حلكم” وأنت من كتبه، فأنت تفرغ المفهوم من مضمونه. ولهذا كان رفض الحكومة في بورتسودان للمؤتمر واعتباره “انتهاكاً للسيادة” موقفاً يستند إلى أساس قانوني في ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
التناقض الثاني يكمن في تسييس المسار الإنساني وتحويله إلى ورقة ضغط. المؤتمر نجح في جمع 1.5 مليار دولار للإغاثة، وهذا رقم كبير أمام كارثة إنسانية طالت 33 مليون سوداني. لكن ربط هذا المال بالمسار السياسي في مؤتمر واحد وبتوقيت واحد يحول الإغاثة من حق إنساني أصيل إلى أداة مساومة. الرسالة التي تصل ضمنياً هي: اقبلوا شروط التسوية التي نطرحها، نفتح لكم خزائن التمويل. وهذا يتنافى مع مبادئ القانون الدولي الإنساني القائم على الحياد وعدم تسييس المساعدات. اتفاقيات جنيف تمنع استخدام المساعدات كسلاح. الدولة هي المسؤولة الأولى عن شعبها، والمنظمات تعمل بالتنسيق معها لا بالتجاوز عنها. عندما يتحول جوع 29 مليون إنسان إلى رهينة تفاوضية، فهذا ابتزاز إنساني يفتح باباً خطيراً: أن تصنع الحرب بيدك، ثم تبيع الخبز مقابل التنازل السياسي.
التناقض الثالث يتجلى في ازدواجية الدبلوماسية التي تدير المؤتمر. هناك فجوة واسعة بين الشعارات والممارسة. يُرفع شعار دعم المدنيين بينما يُستبعد من الحوار كل من يحمل السلاح وكل من يمثل الحكومة، ثم يُطلب من هؤلاء الغائبين تنفيذ مخرجات لم يشاركوا فيها. ويُعلن احترام السيادة بينما يُعقد مؤتمر لمصير دولة دون دعوة حكومتها، ويتم التواصل مباشرة مع أفراد وكيانات من داخلها. ويُؤكد أنه لا حل عسكري، لكن يتم تجاهل الواقع العسكري تماماً وكأن الكلمة وحدها توقف الحرب. ويُطالب بوقف التدخلات الخارجية، بينما المؤتمر نفسه هو أكبر تدخل خارجي جماعي يضع الأجندة ويختار من يجلس على الطاولة.
هذه الازدواجية تكشف أن الهدف غير المعلن هو إدارة الأزمة لا حلها. إدارة تمنع موجات اللجوء إلى أوروبا، وتتجنب انهيار دولة يخلق فراغاً أمنياً، وتُسجل موقفاً أخلاقياً يحسّن صورة الحكومات المنظمة أمام ناخبيها. بهذا يتحول المؤتمر إلى أداة لاحتواء النار بعيداً عن حدودهم، لا لإطفائها في بيت صاحبها.
إن بنية مؤتمر برلين محكومة بهذه التناقضات، ولهذا فإن مساره السياسي محكوم بمحدودية الأثر. المؤتمر يفقد شرعيته حين يتجاوز مبدأ السيادة ويمنح أي حكومة مبرر الرفض. ويفقد فعاليته حين يستبعد الأطراف التي تملك قرار الحرب والسلام، ويراهن على إلزامها بمخرجات لم تشارك في صياغتها. ويفقد قيمته الأخلاقية حين يقرن الاستجابة الإنسانية باشتراطات سياسية، فيخالف المبدأ الجوهري القائم على فصل الإغاثة عن المساومة.
الكرامة الوطنية والسيادة لا تقبل المقايضة بالمساعدات، والشعوب لا تُخيّر بين أمنها الغذائي واستقلال قرارها. مؤتمر برلين، رغم ما حشده من موارد مالية، أخفق في الاختبار الأساسي: أن يُبنى الحل على احترام إرادة السودانيين قبل السعي إلى إغاثتهم. فالمسار الذي يبدأ بانتقاص السيادة ينتهي إلى مخرجات لا تجد طريقها إلى التنفيذ.باختصار مؤتمر برلين لايعدو ان يكون زوبعة في فنجان .
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام
الخميس /16/أبريل/ 2026
الحاكمية لدى الراحل محمدابوالقاسم حاج حمد
اكملت قبل فترة كتابه الثري (الحاكمية) وبين يدي الان كتابه الثاني (الاسلامية العالمية الثان…










