الجهل المقدّس… حين تُطفأ الأسئلة ويُؤمَّم الوعي
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليس أخطر ما يُصيب المجتمعات أن تجهل…بل أن تُقدِّس جهلها، وتُحوِّله إلى عقيدةٍ لا تُمس.
منذ ٢٠١٨م، لم يكن السودان فقط مسرحًا لتحولات سياسية كبرى…بل كان أيضًا حقلًا مفتوحًا لتجربة أكثر خطورة وهي إعادة تشكيل الوعي الجمعي.
في البداية، كان الشعار: “تسقط بس” ، وكان يحمل في داخله طاقة رفضٍ مشروعة، ورغبة في كسر واقع مأزوم. لكن، شيئًا فشيئًا…
تحوّل الشعار من أداة تفكير إلى أداة تعبئة، ثم من أداة تعبئة إلى أداة إغلاق.
وهنا تبدأ #أصل_القضية…
قضية الجهل المقدّس.
أولا: من “تسقط بس” إلى “تسكت بس ”… كيف حدث التحول؟
التحول لم يكن لغويًا… بل معرفيًا.
فحين تُختزل القضايا المعقدة في شعارات قصيرة، فإنك لا تُبسّط الواقع… بل تُلغيه. وحين يتحول الشعار إلى سقفٍ لا يُناقش، فإنه يتجاوز كونه وسيلة… ليصبح مرجعية مغلقة. وهنا يحدث الانزلاق الخطير:
○ من مجتمعٍ يسأل إلى مجتمعٍ يردد
○ من عقلٍ يحلل إلى عقلٍ ينفعل
○ من وعيٍ نقدي إلى وعيٍ مُؤطَّر
■فتصبح العبارة الضمنية التي تحكم المشهد:
> “لا تفكر… فقط التزم بالهتاف”
ثانيا : الجهل المقدّس: حين يُحرَّم السؤال
الجهل هنا ليس غياب المعرفة…بل رفض إنتاجها فهو حالة يتم فيها:
○ استبدال السؤال باليقين الجاهز
○ استبدال التحليل بالتخوين
○ استبدال الحوار بالاصطفاف
وفي هذه الحالة، لا يعود الجهل عيبًا…بل يصبح فضيلة جماعية.
وهنا نستحضر مقولة “القسيس/ أنسلم”:
> “آمن… ولكن لا تسأل”
لكن المفارقة أن هذه المقولة، التي قيلت في سياق لاهوتي خاص بها،
تم توظيفها في المجال العام…
لتبرير إقصاء العقل بالكامل.
ثالثا : من يدير هذا المشهد؟ والسؤال هنا ممنوع
السؤال الأخطر ليس: لماذا لا يفكر الناس؟
بل: من الذي لا يريد لهم أن يفكروا؟
هنا ندخل في منطقة “التبعيض السياسي”:
○ إطلاق الشعارات الكبرى بلا تحديد
○ ثم اختزال التطبيق في انتقائية حادة
○ قبول “البعض” كبديل عن “الكل”
وتقديمه كإنجاز كافٍ
وكأن الرسالة الخفية هي:
> لا تطلب العدالة الكاملة… خذ ما يُعطى لك واصمت.
هذه ليست عفوية…بل هي هندسة دقيقة للوعي.
رابعا : حقيقة أن الجماعات لا تفكر؟ ويُمنع عنها التفكير؟
تُستخدم مقولة “الجماعات لا تفكر بل تنفعل” ليس كوصفٍ علمي… بل كأداة توجيه.
نعم، الجماعات تميل إلى الانفعال…
لكنها تُفكّر إذا أُتيح لها السؤال. إذا المشكلة ليست في طبيعة الجماعة،
بل في طبيعة الخطاب الموجَّه إليها:
○ خطاب لا يشرح… بل يُعبّئ
○ لا يفتح أفقًا… بل يحدد موقفًا مسبقًا
○ لا يدعو للنقاش… بل يُجرّم الاختلاف
وبذلك تتحول الجماعة من كيان حي إلى جسم صدى… يكرر ما يُلقى إليه.
خامسا : مشرط التفكيك: النسيج الاجتماعي كهدف
حين يُمنع التفكير، يصبح المجتمع قابلًا لإعادة التشكيل بسهولة.وهنا يظهر “المشرط” لأجل:
○ تفكيك الثقة بين المكونات
○ إعادة تعريف العدو والصديق بشكل متغير
○ استنزاف الموارد في صراعات داخلية
○ وتفريغ الدولة من معناها لصالح حالة دائمة من السيولة
والنتيجة؟
مجتمعٌ لا يتفق على شيء…إلا على أنه لا يجب أن يسأل.
سادسا : رؤية الجسر والمورد: كيف نكسر الحلقة؟
في فلسفة الجسر والمورد، لا يُبنى المستقبل بالشعارات…بل بإعادة تأسيس العلاقة بين العقل ، الواقع و القرار وهذا يتطلب:
• تحرير السؤال
• إعادة الاعتبار للسؤال كفعل مقاومة، لا كفعل تمرد.
• تفكيك القداسة الزائفة لا شعار فوق النقد… ولا فكرة فوق المراجعة.
• إعادة بناء الخطاب العام من خطاب تعبوي إلى خطاب تفسيري تحليلي.
• تحويل الجماهير إلى شركاء
لا مجرد متلقين… بل فاعلين في إنتاج المعنى.
#أصل_القضية: المعركة الحقيقية ليست سياسية
ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد صراع على السلطة… بل هو صراع على:
من يملك الحق في التفكير؟
فإما أن يستمر “الجهل المقدّس”
كأداة لضبط الجماعة…
أو يُكسر هذا القيد، ويعود السؤال إلى مكانه الطبيعي في قلب المجتمع.
> لأن الشعوب لا تنهار حين تُهزم…بل حين تتوقف عن السؤال.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
حين تصبح الزيارة بديلا عن القرار
في الادارة الرشيدة، الزيارة الميدانية وسيلة لاتخاذ القرار، لكنها في بعض الممارسات تحولت ال…





