‫الرئيسية‬ مقالات _البعد الثالث المفقود في جوهر القضية
مقالات - ‫‫‫‏‫10 ساعات مضت‬

_البعد الثالث المفقود في جوهر القضية

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

كل تحليل للحرب في السودان يدور حول ثنائية مألوفة: صراع مصالح أم صراع هوية؟ من يريد السلطة ومن يريد الثروة، ومن يدافع عن وجوده ومعنى دولته؟ لكن هذه الثنائية نفسها ناقصة. هناك بعد ثالث مفقود دائماً في التشخيص، وغيابه هو الذي يجعل كل الحلول تدور في حلقة مفرغة.

 

*البعد الأول: المصالح الكمية*

 

هو البعد الظاهر القابل للقياس. من يحكم القصر؟ من يسيطر على الذهب؟ من يأخذ الوزارات؟ هذا صراع “كم”. منطقه التفاوض والمحاصصة وقسمة الغنائم. كل مبادرات الوساطة تبدأ من هنا لأن لغة الأرقام أسهل.

 

*البعد الثاني: الهوية الجوهرية*

 

هو البعد العميق تحت المصالح. ما تعريف الدولة؟ من هو الجيش الشرعي؟ ما مصدر الشرعية؟ من هو المواطن؟ هذه أسئلة لا تقبل القسمة. لا يمكن أن يكون للدولة جيشان ونصف سيادة. هذا صراع “معنى”. منطقه الحسم أو الانفجار.

 

*البعد الثالث المفقود: معنى المشروع المشترك*

 

هذا هو البعد الذي لا يُذكر. حتى لو اتفقنا على قسمة المصالح، وحتى لو حسمنا سؤال الهوية بالقوة، يبقى السؤال: لماذا نعيش معاً أصلاً؟

 

المصالح تجيب عن “ماذا نكسب من بعضنا”، والهوية تجيب عن “من نحن ضد الآخر”، لكن لا أحد يجيب عن “ما الذي نبنيه معاً لغيرنا ولأبنائنا؟”.

 

البعد الثالث هو المشروع المشترك . هو الإجابة عن سؤال الغاية. هل السودان مجرد جغرافيا نتقاسم ريعها، أم فكرة نريد أن نقدمها للعالم؟ هل هو شركة لتوزيع الأرباح، أم أمة لها رسالة ودور وعمران؟

 

فبغياب المشروع المشترك تصير الھوية فقط تعريفا للدولة بالقوة في إطار الجيش الواحد

. لكن جيش واحد بلا مشروع يتحول إلى قوة مسلحة تحرس فراغاً. الهوية التي لا تنتج مشروعاً تتحول إلى عصبية جوفاء.

وتغدو الدولة بلا مشروع و لا استقرار للمصالح حتي لو تم تقسم الثروة اليوم. لكن قسمة بلا مشروع استثماري تنموي تتحول إلى استهلاك للريع حتى ينفد. ليعود الصراع أشرس لأن الكعكة تتناقص والمشروع غائب.

وكل حوار في غياب المشروع المشترك يفشل لأنه بلا موضوع مشترك فيصير كل حوار بين الأطراف حول “ما لي وما لك” و”من أنا ومن أنت”. لا أحد يطرح “ماذا سنفعل معاً”. لذلك ينتهي الحوار إلى محاصصة أو هدنة، لا إلى سلام.

 

ولكن عندما يكون البعد الثالث حاضرا ينتقل الخطاب من “من يحكم السودان” إلى “أي سودان نريد أن نصنع؟”.

عندھا يصبح السؤال ليس “كيف ندمج الجيوش” بل “لماذا نريد جيشاً أصلاً؟ لحماية أي مشروع عمراني وأي نهضة؟”.

ساعتھا تتفق النخب علي أن الصراع ليس على الكرسي، بل على البوصلة: إلى أين تتجه هذه البلاد في الخمسين سنة القادمة؟

 

وبحسب وجھة نظر التحليق فإن القضية لها ثلاثة أبعاد لا اثنان

 

فنحن لا نتقاتل بسبب الصراع علي السلطة ولا علي الھوية فقط. بل نتقاتل لأن البعد الثالث مفقود لا يوجد مشروع مشترك يجعل السلطة وسيلة والهوية وعاء.

 

الهدنة تعالج المصالح. الحرب تحسم الهوية. لكن لا شيء يعالج غياب المعنى إلا حوار يؤسس للمشروع.

 

الدولة لا تولد عندما نتفق على من يحكمها، ولا عندما نفرض هوية واحدة عليها. الدولة تولد عندما نكتشف لماذا تستحق أن توجد أصلاً.

 

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

السبت /18/أبريل/ 2026

‫شاهد أيضًا‬

طالبتان تؤديان امتحان اللغة العربية اليوم من داخل مستشفى حلفا 

في مشهد إنساني استثنائي يجسد قوة الإرادة والتحدي، أدت  طالبتين  امتحان الشهادة السودانية م…