‫الرئيسية‬ مقالات إستقراء “الشعب شريان الدولة وقلبها النابض
مقالات - ‫‫‫‏‫14 ساعة مضت‬

إستقراء “الشعب شريان الدولة وقلبها النابض

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

عندما يوجد الوعي الفطري لدى الشعوب وتغيب الرؤية والإرادة السياسية في إدارة الدولة، عندها نجد الإجابة على هذا السؤال: لماذا هذا حالنا؟ السؤال الذي ظل يخيم على وجدان الشعب السوداني قبل اندلاع الحرب بزمن طويل، حتى أتت الحرب لتؤكد ضرورة الإجابة عليه بالعمل لا بالكلام. فالسؤال لم تصنعه المواجهات المسلحة، بل صنعته أعوام سبقتها كان فيها البلد غنياً بالموارد فقيراً في التخطيط، ممتلئاً بالكفاءات خالياً من المشروع. ورغم توفر الأرض الصالحة للزراعة، والموقع الرابط بين إفريقيا والعالم، ونهر النيل، واحتياطي الذهب، وكتلة سكانية شابة، إلا أن المؤشرات كانت تتراجع قبل إطلاق النار. الحرب كشفت أن الهيكل الإداري كان متآكلاً قبل أن ينهار. الخلل لم يبدأ مع القصف، بل بدأ حين عجزنا عن تحويل الإمكانات إلى نتائج. والخطأ الأكبر أن نفسر هذا الواقع كأنه حتمية تاريخية. الاستقراء يثبت العكس: ما نشهده محصلة مباشرة لسوء الإدارة وانعدام الرؤية. والفرق هو بين موت أمة ونهضتها، لا صراع من أجل البقاء بل بقاء في لحمة وإبداع.

 

الوقائع المتراكمة تقول: حتى قبل انهيار المؤسسات، كان المواطنون يسدون فراغها. في الخرطوم كانت لجان الأحياء تشتري المحولات الكهربائية بالتبرعات. في نيالا كانت غرف الطوارئ تنقل الجرحى بعربات خاصة. في بورتسودان كان التجار يمولون صيانة آبار المياه. في الجزيرة كان المعلمون يدرسون بلا مرتبات. هذا ليس نشاطاً تطوعياً عابراً، بل إدارة فعلية للخدمات الأساسية. الدلالة أن المجتمع يملك القدرة التنظيمية، لكنه يفتقد المظلة التي توحد جهده. كل منطقة تعالج أزماتها بمعزل عن الأخرى، ولا توجد خطة مركزية تحول هذه المبادرات إلى نظام عام. لذلك ظل الجهد يستهلك في احتواء الضرر اليومي بدل تأسيس الاستقرار. الحرب برهنت أن ما سمي “تأقلماً” كان استنزافاً. والتجربة العملية تثبت: حين تعمل المحليات بلا إطار دستوري يربطها، تتحول تدريجياً إلى جزر منفصلة، والانفصال يبدأ من الإدارة لا من الجغرافيا.

 

على الصعيد الاقتصادي، الوقائع أوضح من الشعارات. لا ولاية قادرة على الاكتفاء الذاتي. الصادر والوارد عبر ميناء الشرق. المخزون الحيواني الأكبر في دارفور وكردفان. الإنتاج الزراعي المروي في الوسط. مواقع التعدين في الشمال ونهر النيل. والسوق المحلي يربط الكل. أي طرح للتقسيم يتجاهل أن سلاسل الإمداد واحدة وأن تفكيكها يعني خسارة الجميع. هذه معطيات لا يلغيها خطاب. السؤال: لماذا لا تتحول إلى اتفاق؟ لأننا لم ندون قاعدة التوزيع. لا يوجد نص معلن وملزم يحدد: حصة موقع الإنتاج، حصة الخزينة العامة، آلية الصرف، جهة التدقيق. في غياب النص المكتوب تسود الريبة ويعتقد كل طرف أن الآخر يستأثر بالعائد. المشكلة ليست انعدام المصلحة، بل سوء ضبطها. تركناها للتصريحات، بينما كان يجب تثبيتها في وثيقة دستورية يطلع عليها الجميع. الحرب لم تنشئ هذا الشك، بل كشفته على السطح. وهذا ليس قدراً، بل قصور إداري متكرر.

 

أما ميزان الخسائر فهو المحرك الحقيقي للسؤال. قبل الحرب كانت الكلفة: بطالة واسعة، تضخم، تدهور التعليم والصحة، تهميش مناطق كاملة. بعدها صارت: خمسة عشر مليون نازح ولاجئ، عملة فقدت قيمتها، توقف شبه كامل للنشاط الإنتاجي. الثمن كان يُسدد على دفعات فصار يُسدد دفعة واحدة. العامل المشترك أن الدافع هو المواطن وحده. هذا التفاوت هو ما جعل “لماذا هذا حالنا؟” هاجساً يومياً قبل أن تدوي المدافع. الحرب أكدت أن صاحب قرار وقفها لا يخسر كما يخسر من فقد بيته. ما دامت كلفة الاستمرار على طاولة التفاوض أقل من كلفتها في مخيم النزوح، سيبقى الحل معلقاً. هذا ليس قدراً، بل اختلال في تحميل المسؤولية. والنتيجة التي تفرضها المعطيات: إن استمر المواطن يدفع الثمن منفرداً، سيصل إلى لحظة يرى فيها أن أي وضع جديد أقل إيلاماً من الجمود، حتى لو كان التفكيك. ليس رغبة فيه، بل رفضاً لاستمرار النزيف.

 

بهذا نفهم الإجابة. الناس ما زالوا يعملون: يفتحون تكايا، يشغلون مراكز صحية، يؤمنون الأحياء، ينقلون طلاباً. كانوا يفعلون ذلك قبل الحرب لملء فراغ السلطة. الطاقة البشرية موجودة، والاستعداد للمبادرة موجود. المفقود هو الإدارة التي تحول هذه المبادرات إلى عقد اجتماعي. نحن ندور في دائرة لأننا نملك شعباً يدير شؤونه وينتج حلوله، لكننا نفتقد السلطة التي تصوغ هذه الحلول في نظام موحد. نملك مبررات البقاء، ونفتقد الوثيقة التي تنظم الحقوق والواجبات. الحرب لم تخترع السؤال، بل جعلت تأجيل الجواب مستحيلاً. الاستقراء يقرر: الدول التي تتجاوز أزمات مماثلة تبدأ من القاعدة. تنتخب مجالسها المحلية، تصوغ دستورها من واقع هذه المجالس، تثبت فيه بالنص كيف تُقسم الثروة وتُدار السلطة، وتجعل كلفة إشعال الحرب أعلى على حامل السلاح. هذا ليس أمنية، بل المسلك الوحيد الذي تتيحه المعطيات. ما عداه ليس قدراً، بل استمرار في الفشل بقرار سياسي.

 

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الثلاثاء /21/ أبريل/ 2026

‫شاهد أيضًا‬

رئيس الوزراء يطلع على سير التحضيرات لعقد ملتقى التنمية الاجتماعية في منتصف مايو المقبل

اطلع معالي السيد رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس على سير أداء وزارة الموارد البشرية والرع…