صحافة المبادئ: هل اقتربت ساعة الاسترداد؟
شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

تمثل اللقاءات الرسمية التي تجمع بين هرم السلطة الإعلامية وبين الكيانات النقابية والمهنية أكثر من مجرد بروتوكول سياسي؛ إنها في جوهرها إعلان عن نوايا التغيير واعتراف صريح بأن “المهنية” هي المخرج الوحيد من نفق الأزمات المظلم. وحينما نرى تحركاً جاداً يضع النقاط على الحروف في علاقة الدولة بالصحافة، فإننا لا نتحدث هنا عن إصلاح إداري فحسب، بل عن محاولة لإحياء “ضمير المجتمع” الذي أرهقته التجاذبات وضبابية الروايات.
نعيش اليوم في عصر “السيولة المعلوماتية”، حيث تتسارع الأحداث وتتشابك الروايات إلى حد التناقض، مما يجعل المجتمع في حالة من التيه بين الخبر الزائف والحقيقة المجتزأة. هنا، تبرز الحاجة إلى الصحافة الحقيقية—ليس بوصفها ناقلاً للمعلومة فقط، بل كبوصلة أخلاقية ومهنية لا تقبل المساومة. إن استعادة بريق الصحافة تبدأ من ترسيخ مبدأ أن “الحقيقة” ليست وجهة نظر، وأن الانحياز الوحيد المسموح به هو الانحياز للقيم والمعايير التي تُعلي من شأن الدقة والصدق.
إن الحديث عن شراكة حقيقية بين الأجهزة الرسمية والاتحادات المهنية يعكس إدراكاً عميقاً بأن التنظيم النقابي هو صمام الأمان. لا يمكن لمهنة الصحافة أن تستمر أو تُحترم إذا ظلت جزرًا منعزلة بلا مظلة تحمي حقوق منسوبيها وتفرض عليهم—في الوقت ذاته—أعلى معايير الانضباط المهني. توحيد الجهود تحت سقف واحد هو الخطوة الأولى لاستعادة الثقة المفقودة بين الصحفي وجمهوره؛ تلك الثقة التي تآكلت بفعل سنوات من “العشوائية” وغياب المعايير.
التحدي الأكبر الذي يواجهنا لا ينحصر في نصوص القوانين أو هيكلة المؤسسات، بل يكمن في بناء الوعي. يجب أن نعي جيداً أن حرية الصحافة لا تعني بأي حال من الأحوال الانفلات من المسؤولية أو انتهاك الخصوصية، والمهنية ليست حياداً سلبياً يقف مكتوف الأيدي، بل هي انحياز واعٍ للحقيقة واحترام مطلق لعقل المتلقي، أما التشريع (مثل تطوير قانون الصحافة وإدماج الصحافة الإلكترونية) هو ضرورة تقنية، لكنه يظل جسداً بلا روح ما لم ينبض بالتزام أخلاقي ذاتي من الصحفيين أنفسهم.
لا يمكننا الحديث عن صحافة حرة في ظل واقع اقتصادي مرير يطحن الصحفي. إن تحسين الأوضاع المعيشية والمهنية للعاملين في هذا الحقل ليس نوعاً من الرفاهية، بل هو استحقاق سيادي لضمان استقلالية القرار. الصحفي الذي يفتقر للأمان المادي يظل عرضة لضغوط تخرجه عن مساره المهني، وبالتالي فإن حماية “لقمة عيش” الصحفي هي حماية لـ “حرية رأيه” واستقامة قلمه.
نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة الاعتبار للصحافة الوطنية، بعيداً عن الشعارات الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. إنها لحظة العمل والتنظيم، لحظة يدرك فيها الجميع أن المجتمع السليم لا يُبنى إلا بإعلام حر، والإعلام الحر لا يصنعه إلا صحفي مهني ومسؤول.
الصحافة مهنة رفيعة، والرفعة تكليف قبل أن تكون تشريفاً، ولن يستعيد هذا البريق ألقه إلا إذا آمن أهله بأنهم رسل وعي وحراس حقيقة.
رسالة ختامية: “لا مجتمع بلا إعلام حر، ولا إعلام حر بلا صحفي مهني.. كونوا رسلاً للسلام، وانهضوا بأعمالكم، فالوطن يُبنى بالمهنية أولاً.”
Ghariba2013@gmail.com
26 أبريل 2026
الهلال الأحمر السوداني يحتفي بأسر المتطوعين في يوم الوفاء
في لفتة إنسانية تعبّر عن الوفاء والعرفان، أعلن رئيس جمعية الهلال الأحمر السوداني، عبد الرح…





