‫الرئيسية‬ مقالات مجمع الفقه واختلال الموازين(٤) بين زلةٍ عابرة وصمتٍ مُحيِّر قراءة في ميزان المجمع الفقهي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

مجمع الفقه واختلال الموازين(٤) بين زلةٍ عابرة وصمتٍ مُحيِّر قراءة في ميزان المجمع الفقهي

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

تحدثتُ في مقالٍ سابق عن موقف المجمع الفقهي من حرب الكرامة، حيث بدا حضوره باهتًا في موضعٍ كانت الأمة فيه أحوج ما تكون إلى بيانٍ يرفع الالتباس ويحقن الدماء. وفي هذا المقال أتناول زاويةً أخرى لا تقل أهمية، وهي معيار التعامل مع الأقوال: هل هو معيارٌ واحدٌ منضبط، أم ميزانٌ يتبدل باختلاف الأشخاص؟

فقد خرج علينا المجمع ببيانٍ يُدين فيه ما وُصف بـ”زلة لسان” حينما قيل إن القرآن فيه قطيعة – غيبة-، وهي عبارة صدرت عن الشيخ موسى البدري—الداعية المعروف الذي أفنى وقته في الدعوة إلى توحيد الله في زمنٍ كثُر فيه الجهل بالعقيدة. ولا شك أن هذه الزلة—مع خطئها—غير مقصودة، يشهد لذلك منهجه المعروف في تعظيم القرآن والسنة، ثم تراجعه عنها، وهو ما يُسقط أثرها ويُعيد الأمر إلى نصابه؛ إذ القاعدة الشرعية تقرر أن: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”، وأن الخطأ إذا تلاه الرجوع والبيان زال حكمه.

غير أن الذي يثير التساؤل أن المجمع تجاهل مسيرة الرجل، وتشبث بعبارةٍ عابرة قد سقطت بتوبته، وحمّلها ما لا تحتمل، حتى أصدر بيانًا في إدانته، في وقتٍ سكت فيه عن أقوالٍ أخرى أخطر وأشد، بل قد تخرج قائلها عن دائرة الإسلام إن لم يُبيّن ويُتراجع عنها.

ومن ذلك ما نُقل عن بعض المتصوفة:

١. قال الصوفي البرعي: “إن ناب خطب في الزمان نزيل، فقل يا وليَّ الله إسماعيل.”

٢. وقال: “ألا يا رجال الغيب أنتم حصوننا، فما زال مسبولًا على الناس ستركم.”وقال: “إذا شئتم شاء الإله، وإنكم تشاؤون ما قد شاء الله، فلله دركم.”

٣. وقال الصوفي الخنجر: “في ناس بدوا المطر حسب الطلب.”، وقال: “الولي يحيي ويميت.”، وقال: “الكباشي بدي الجنا.”

٤. وقال الصوفي الأمين (جلكسي): “القرآن فيه طلاسم.”

وقبلهم قال الحلاج: “أنا الحق.”، وقال: “وما في الدارين غيري.”

وقال أبو يزيد البسطامي: “وما في الجبة إلا الله.”

وهذه النماذج—على خطورتها—ليست خافية، بل هي متداولة في الكتب ووسائل الإعلام، وتمسّ أصل التوحيد الذي قرره القرآن في أوضح بيان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾، وقال سبحانه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».

فإذا تقرر هذا الأصل العظيم، وأن الاستعانة لا تكون إلا بالله، وأن تصريف الكون لا يكون إلا له، فإن كل قولٍ يُخالف ذلك يقتضي بيانًا ووضوحًا. وهنا يبرز السؤال: لماذا سكت المجمع عن هذه الأقوال طوال هذه المدة؟ ولماذا لم يصدر عنه بيانٌ يوضح حكمها ويبيّن خطرها، لا سيما وهي تمسّ أصل العقيدة وتفتح باب الالتباس على عامة الناس؟

ثم يزداد السؤال إلحاحًا: لماذا لم يصدر بيانٌ في ما نُسب إلى بعض التيجانية من قولهم إن “صلاة الفاتح” تعدل القرآن ألف مرة؟ وهو قول—إن ثبت—يمسّ جناب القرآن العظيم، الذي قال الله فيه: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. فكيف يُسكت عن دعوى تُفهم منها مساواة أو تفضيل على كلام الله؟

ولماذا لم يتحرك المجمع لحماية جناب الأنبياء، حين تُنسب إلى بعضهم عباراتٌ تفيد أنهم “قطعوا بحرًا وقف الأنبياء بساحله”؟! مع أن الله تعالى بيّن فضل أنبيائه، فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ﴾، وثبت أن النبي ﷺ سيد ولد آدم، وأن مقام النبوة لا يُدانيه مقام.

إن هذه الأسئلة لا تُطرح للطعن، بل لإقامة ميزان العدل؛ لأن الدين لا يُحفظ بالانتقائية، ولا يُصان بالصمت في مواضع الخطر، ولا بالتشدد في موضعٍ دون آخر.

وبمجرد “زلة لسان” للشيخ موسى البدري، قال فيها إن القرآن فيه قطيعة، وكلنا على يقين أن الشيخ موسى على منهجٍ سليم، منهجٌ لا يقبل مثل هذه العبارات في حق كلام الله—ورغم رجوعه عنها وتوبته—صدر البيان في حقه، في حين سكت عن أقوالٍ أخطر وأعظم أثرًا.

إن العدل الذي أمر الله به لا يتجزأ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾، وقال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. والميزان الشرعي يقتضي أن تُوزن الأقوال بقدرها، وأن يُراعى حال القائل، وسابقته، وتوبته، وأثر قوله، وألا يُسوّى بين زلةٍ عارضةٍ مُتداركة، وأقوالٍ تمسّ أصل الدين.

وفي الختام، ومن باب المسؤولية والنصح العام، فإننا نناشد الفريق أول عبد الفتاح البرهان بضرورة إعادة النظر في وضع هذا المجمع، الذي انتهت صلاحيته منذ مدة، وأضحى—في نظر كثيرين—أقرب إلى التشكيل ذي الطابع السياسي والطائفي، أكثر من كونه مرجعية علمية مستقلة. كما نأمل إعادة تبعيته إلى مجلس السيادة بدلًا من الجهاز التنفيذي، بما يعيد له قدرًا من الاستقلال، ويمكنه من أداء دوره الشرعي في بيان الحق دون تأثير أو توجيه.

فالمقام مقام أمانة، والسكوت—حين يجب البيان—لا يُحمد، كما أن التشدد في غير موضعه لا يُقبل. وإنما النجاة في تحقيق قول الله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.

‫شاهد أيضًا‬

عاجل..مطالبات بإقالة مدير شركة حكومية 

طالب وكيل ناظر الهدندوة محمد دين حسين بإقالة مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية محمد ط…