حين يعود السلاح إلى حضن الدولة: بين استحقاقات الاستسلام ومخاطر الانتقام المؤجل
حديث الساعة إلهام سالم منصور

لم يعد السؤال حول دخول قيادات الدعم السريع إلى حضن الوطن سؤالاً بسيطاً يمكن الإجابة عليه بنعم أو لا، بل أصبح مدخلاً لتحليل عميق يلامس جوهر الدولة السودانية ومستقبلها. هل نحن أمام استسلام حقيقي يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار، أم أننا نقف على أعتاب هدنة هشة تخفي وراءها احتمالات انتقام وصراع مؤجل؟
أول الأبعاد التي يجب الوقوف عندها هو البعد السياسي. فعودة قيادات كانت جزءاً من صراع دموي تضع الدولة أمام اختبار صعب: هل تمتلك الإرادة لفرض مشروع وطني جامع، أم أنها ستنجر إلى تسويات مرحلية تُبقي جذور الأزمة حية؟ أي اتفاق لا يقوم على تفكيك البنية المليشياوية بشكل كامل، وإعادة بناء السلطة على أساس الشرعية والمؤسسات، سيظل مجرد إعادة ترتيب للأزمة لا حلّاً لها.
أما البعد الأمني والعسكري فهو الأكثر حساسية. دخول عناصر مسلحة إلى منظومة الدولة دون ضبط صارم يعني خلق قنابل موقوتة داخل الجسد الوطني. التجارب السابقة في السودان وغيره أثبتت أن الدمج غير المدروس قد يؤدي إلى اختراق المؤسسات، أو إعادة إنتاج التمرد من داخلها. لذلك، فإن برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR) يجب أن تكون حازمة، شفافة، وتحت رقابة دقيقة، مع إعادة تأهيل نفسي وعقائدي يضمن الولاء للوطن لا للكيانات السابقة.
في البعد الاجتماعي، تكمن واحدة من أعقد التحديات. فالمجتمع السوداني اليوم مثقل بالجراح: نزوح، فقد، وانتهاكات تركت أثراً عميقاً في النفوس. استقبال من كانوا جزءاً من هذه المأساة دون مسار واضح للعدالة والمصالحة قد يثير غضباً مكتوماً يتحول إلى رفض مجتمعي أو حتى صدامات محلية. لذلك، لا بد من بناء مشروع مصالحة وطنية حقيقية، يقوم على الاعتراف، وجبر الضرر، وضمان عدم الإفلات من العقاب.
أما البعد النفسي، فهو لا يقل أهمية. فالثقة بين المواطن والدولة، وبين مكونات المجتمع نفسها، تعرضت لهزة عنيفة. إعادة هذه الثقة تتطلب خطوات عملية، لا مجرد خطابات. المواطن يحتاج أن يرى أن من أخطأ يُحاسب، وأن من يعود يلتزم بقواعد جديدة واضحة لا لبس فيها. دون ذلك، سيظل الشعور بالخوف والشك مسيطراً، وهو بيئة خصبة لأي انتكاسة.
وفي البعد الاقتصادي، فإن استمرار عدم الاستقرار أو عودة التوتر سيكلف البلاد المزيد من الانهيار. بالمقابل، فإن إدارة ملف العائدين بشكل ناجح يمكن أن يفتح باباً لإعادة الإعمار وجذب الدعم، بشرط أن يكون هناك وضوح في الرؤية واستقرار في القرار. الاقتصاد لا يزدهر في ظل البنادق، بل في ظل دولة قوية تفرض القانون.
يبقى البعد القانوني والعدلي حجر الزاوية في هذه المعادلة. فلا يمكن الحديث عن استسلام دون مساءلة، ولا عن سلام دون عدالة. المطلوب ليس الانتقام، بل العدالة الرادعة التي تميز بين من ارتكب الجرائم ومن يمكن استيعابه. أي تهاون في هذا الجانب سيُفقد الدولة هيبتها، ويُشعر الضحايا بأن حقوقهم قد ضاعت، وهو ما قد يفتح أبواباً لانتقام فردي أو جماعي.
في النهاية، فإن دخول قيادات الدعم السريع إلى حضن الوطن يمكن أن يكون نقطة تحول تاريخية، إذا أُدير بعقل الدولة لا بمنطق اللحظة. هو ليس استسلاماً كاملاً ما لم يصاحبه تفكيك حقيقي للسلاح الموازي، وليس انتقاماً بالضرورة إلا إذا غابت العدالة وحضرت الفوضى.
السودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يحوّل هذه اللحظة إلى بداية تأسيس دولة قوية موحدة، أو أن يكرر أخطاء الماضي فيدخل في دائرة جديدة من الصراع. والفيصل في ذلك ليس النوايا المعلنة، بل السياسات المطبقة على أرض الواقع.
الخميس ٣٠ابىيل ٢٠٢٦
التعليم تحسم الجدل: لا تعديلات على المناهج ولا اعتماد للمنهج المضغوط بالخرطوم
حسمت وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم الجدل الدائر حول المقررات الدراسية وخطة التدريس…




