‫الرئيسية‬ مقالات فهم الحرب يعني إحلال السلام – دور السلطان في إرساء دعائم السلام
مقالات - ‫‫‫‏‫5 ساعات مضت‬

فهم الحرب يعني إحلال السلام – دور السلطان في إرساء دعائم السلام

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام _ الحرب والسلام (9_10)

ولإرساء كل ما سبق يحتاج لقوة تسند هذا السلام وترسيخه، برؤية موحدة للإعمار. ولا يكون كل ذلك إلا بقوة السلطان. ونعني بها هنا سلطان الدولة مكتملة الأركان، والتسلح بشتى أنواعه من مادي إلى معرفي.*

 

*وسلطان الدولة الذي نقصده:*

ليس شخصًا باسمه ولا حاكمًا بذاته، بل *الوظيفة والمؤسسات الرسمية للدولة*. هو الجيش الذي يحمي، والشرطة التي تأمن، والقضاء الذي يعدل، والجهاز التنفيذي الذي يخدم، والتشريعي الذي يشرّع. هو “هيبة الدولة” حين تعمل مؤسساتها. فإذا قامت المؤسسات بوظائفها، قام السلطان. وإذا غابت أو فسدت، سقط السلطان ولو بقي الأشخاص.

 

*أولًا: سايكولوجيا القيادة – السلطان هو جهاز المناعة*

 

1. *الأسوة الحسنة*: الناس لا تسمع ما تقول المؤسسات، الناس ترى ما تفعل. إذا كانت الدولة عادلة في قضائها، استحى الظالم. وإذا كانت أمينة في مالها، خجل السارق. وإذا كانت بانية في مشاريعها، تعلم الهادم. الحرب تنتشر بـ”عدوى اليأس”. والسلام ينتشر بـ”الأسوة الحسنة” التي تقدمها مؤسسات الدولة بعملها.

 

2. *هيبة الدولة تشفي الخوف*: أخطر ما تفعله الحرب: تكسر “هيبة الأمان” في قلب المواطن. يصبح لا يأمن على بيته، ولا على طريقه، ولا على قوله. دور مؤسسات السلطان أن ترجع “هيبة الأمان”. لا بسوط القهر، بل بعدل القانون. فإذا أمن الناس، ناموا. وإذا ناموا، حلموا. وإذا حلموا، عملوا. والسلام نومة آمنة، وحلم صادق، وعمل دائم.

 

3. *توحيد البوصلة*: في الحرب، كل جهة لها “راية”، وكل بيت له “قبلة”. الناس تائهة. دور الدولة بمؤسساتها أن توحد البوصلة. أن تقول: “قبلتنا واحدة: السودان”. *لو تغيير المفهوم وصحت النوايا*، صارت مؤسسات الدولة هي من تجمع المتفرق، لا من تفرق المجتمع.

 

*ثانيًا: فطرة الراعي – السلطان ظل الله في الأرض*

 

1. *فطرة القطيع*: الغنم بلا راعٍ، تأكلها الذئاب. والذئب لا يهجم على القطيع المجتمِع، يهجم على الشاردة. دور مؤسسات الدولة أن تكون الراعي الذي لا ينام. تجمع الشارد، وتحمي الضعيف، وتردع الذئب. موروثنا يقول: “البلد البلا كبير، تضيع”. والكبير هنا هو مؤسسات الدولة القوية العادلة، لا الأشخاص. همه: الناس.

 

2. *فطرة النهر*: النهر لا يقول للماء “من أين أتيت”. يقبله كله، ويجري به كله، ويسقي به كله. مؤسسات الدولة هي نهر البلد. دورها أن تقبل كل الروافد: شمال وجنوب، شرق وغرب، عربي وأفريقي. فإذا تعصبت لرافد واحد، جف النهر. وإذا عدلت بينها، اخضرت الضفاف. السلام نهر، ومؤسسات الدولة مجراه.

 

3. *فطرة الأب*: البيت ما بيمشي بـ”الورق والقانون” بس. بيمشي بـ”هيبة الأب”. ومؤسسات الدولة هي “أبو الناس” في الشأن العام. دورها أن تسمع، وتحنو، وتحسم. لا أن تغيب، وتقسو، وتؤجل. فإذا غابت المؤسسات، تاهت العيال.

 

*ثالثًا: ثابت الإسلام – السلطان مسؤولية لا امتياز*

 

1. *ثابت الرعاية: “كلكم راع”*:

– *الدليل*: قال صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته”.

– *الحقيقة*: السلطان هنا “الإمامة” بمعنى الوظيفة. فالدولة ليست “مالكة”، بل “راعية”. والراعي لا يملك الغنم، بل يحميها. ولا تنام مؤسسات الدولة إذا جاع الناس، ولا تهدأ إذا مرضوا. مسؤوليتها أن توفر الكلأ والماء والأمن. فإذا قصرت، حاسبها الله قبل أن يحاسبها الناس. السلام أول واجبات الراعي.

 

2. *ثابت العدل: “إن الله يأمركم”*:

– *الدليل*: _إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ_ [النساء: 58].

– *الحقيقة*: الآية خطاب لمؤسسات الحكم قبل الرعية. فالأمانة هي “الحكم”، وأداؤها هو “العدل”. والمؤسسة التي لا تعدل، خانت الأمانة. والتي خانت الأمانة، لا تصنع سلامًا. لأن فاقد الشيء لا يعطيه. دور مؤسسات السلطان أن تكون أول العادلين، لتكون أول صانعي السلام.

 

3. *ثابت نشر الثقافة: “كونوا قوامين بالقسط”*:

– *الدليل*: _يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ_ [النساء: 135].

– *الحقيقة*: “قوامين” صيغة مبالغة. يعني: مداومين، قائمين ليل نهار على العدل. دور مؤسسات الدولة ليس أن “توقف الحرب” فقط. دورها أن “تقيم ثقافة السلام”. أن تجعل العدل سلوكًا، والتسامح عادة، والبناء عبادة. أن تربي الناس بـ”عمل المؤسسة” قبل “خطبة المنبر”. فالثقافة لا تُفرض بقانون، تُغرس بعمل.

 

فدور سلطان الدولة في السلام ثلاثة:

1. *أن يكون قدوة مؤسسية*: تبدأ المؤسسات بنفسها، فتعدل، وتبني، وتجمع.

2. *أن يكون ضامنًا*: يفرض هيبة القانون، فيأمن الناس.

3. *أن يكون راعيًا للثقافة*: يغرس قيم السلام في التعليم، والإعلام، والمنبر، والسوق.

 

*والأصل أن مؤسسات السلطان خادمة للشعب، لا سيدة عليه.*

*والطارئ أن تظن نفسها مالكة، فتصير أول هادمي السلام.*

 

*_فمؤسسات الدولة إن عدلت، عبدت للناس طريق السلام.

وإن ظلمت، حفرت للناس قبور الحرب._*

 

يتبع:

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين، ولوطني سلام

الأربعاء/ 6/مايو /2026

‫شاهد أيضًا‬

سيادةٌ حاسمة

​■ لم يأتِ المؤتمر الصحفي الذي عقده وزراء الخارجية والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات الم…