سموم عابرة للحدود وعقول تحت الحصار: قراءة في منبر الشرطة الدوري (مكافحة المخدرات)
اللازم السفير (وقع معاش)

بدعوة كريمة من مكتب الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة، العميد فتح الرحمن التوم، حضرنا “منبر الشرطة الدوري” الذي استضافته قاعة الإدارة العامة للسجون والإصلاح، وهو المنبر الذي لم يكن مجرد فعالية بروتوكولية، بل كان مواجهة صريحة مع واحد من أخطر الملفات التي تهدد مستقبل السودان.
لغة الأرقام التي استعرضها مدير الدائرة الفنية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، والتي تشير إلى تدوين 9,586 بلاغاً والقبض على 11,239 متهماً خلال عام 2025م،
تعكس حجم الجهد الجبار الذي تبذله الإدارة، لكنها في ذات الوقت تدق ناقوس الخطر حول مدى تغلغل هذه الآفة وضراوة الهجمة التي يتعرض لها الشباب السوداني في ظل ظروف استثنائية استغلها المهربون لتمرير سمومهم عبر الثغرات الحدودية والمسارات المفتوحة.
ولم يكن حديث الفريق شرطة حقوقي عبد الفتاح عثمان، رئيس هيئة التوجيه والخدمات، حول استهداف “عقول الشباب” من باب المبالغة، بل هو توصيف دقيق لمعركة وجودية تُستخدم فيها المخدرات كسلاح لتدمير ركيزة البناء والتعمير، خاصة مع بروز خطر “المخدرات المخلقة” والكيميائية مثل (الآيس كريستال) التي تستهدف الجهاز العصبي بشكل قطعي وسريع.
وما أثار الانتباه في هذا المحفل هو الاعتراف الشفاف من قيادات الشرطة، وعلى رأسهم اللواء شرطة د. خواض الشامي، بأن هذه الجرائم باتت “عابرة للحدود”، مما يعني أننا لا نواجه تجاراً محليين فحسب، بل شبكات منظمة عابرة للقارات تستخدم التكنولوجيا الرقمية والوسائط المشفرة لترويج بضاعتها، مما يتطلب وعياً مجتمعياً استراتيجياً يوازي الجهد الأمني الميداني والتقني.
هذه المعركة التي تخوضها الشرطة في المختبرات الجنائية وغرف العمليات المشتركة بين الولايات، تفرض ضرورة ألا تكتفي الدولة بالحلول الأمنية فقط؛ فالمسؤولية -كما ذكر وزير الإعلام بولاية الخرطوم الأستاذ الطيب سعد الدين- هي مسؤولية تضامنية تبدأ من الرقابة المنزلية اللصيقة وتنتهي عند تفعيل دور المساجد والمدارس والجامعات كقلاع حصينة ضد “الغزو الصامت”. فالشرطة اليوم تفتح أبوابها للشراكة مع الإعلام لترسيخ شعار “الأمن مسؤولية الجميع”، إيماناً بأن دور الصحفي لا يتوقف عند نقل الخبر، بل في قيادة حملة توعية شاملة تحصن البيوت من هذه السموم وتكشف أساليب المروجين الذين يستهدفون الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك تجمعات النازحين واللاجئين.
معركة مكافحة المخدرات هي “حرب أخرى” لا تقل ضراوة عن المواجهات الميدانية، والانتصار فيها يبدأ بتجفيف منابع التهريب عبر الحدود وتفعيل القوانين الرادعة التي تلاحق الرؤوس الكبيرة، وينتهي بتكامل الأدوار بين أجهزة الدولة والمجتمع ليبقى النسيج الاجتماعي السوداني معافى وسليماً.
ما لمسناه في هذا المنبر يؤكد أن الدولة واعية تماماً لهذا الحصار الذي يستهدف “الذخيرة البشرية” للبلاد، وأن اليقظة الأمنية هي الصخرة التي ستتكسر عليها أحلام شبكات الجريمة المنظمة، شريطة أن يظل الوعي المجتمعي هو الظهير والسند لهذا الجهد الوطني الخالص.
سيادةٌ حاسمة
■ لم يأتِ المؤتمر الصحفي الذي عقده وزراء الخارجية والإعلام والناطق الرسمي باسم القوات الم…





