‫الرئيسية‬ مقالات توقيع اتفاقية اعتماد اقتصادي متبادل بين السودان ومصر  الضرورة الغائبة 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

توقيع اتفاقية اعتماد اقتصادي متبادل بين السودان ومصر  الضرورة الغائبة 

السفير رشاد فراج الطيب عمل في سفارة السودان بالقاهرة من٢٠١٣-٢٠١٧م

في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة ، والمخاطر الماثلة التي تهدد الأمن القومي المشترك لوادي النيل ، وبخاصة التحديات الاقتصادية المتفاقمة التي تواجه كلًا من السودان ومصر ، يبرز سؤال ملحّ هو لماذا لم ترتقِ العلاقات بين البلدين إلى مستوى “الاعتماد الاقتصادي المتبادل” رغم وجود كل المقومات الجغرافية والتاريخية والموارد الطبيعية والبشرية المشتركة ؟

 

إن الحديث عن اتفاقية – اعتماد اقتصادي متبادل – بين السودان ومصر لم يعد ترفًا فكريًا ، بل أصبح ضرورة استراتيجية غائبة ، تأخر إدراكها طويلًا ، رغم ما يمكن أن تحققه من مكاسب نوعية لكلا البلدين .

 

أولًا : التكامل الطبيعي لا التنافس المصطنع

 

يمتلك السودان موارد زراعية ومائية هائلة ، وأراض خصبة غير مستغلة ، في حين تمتلك مصر خبرات صناعية وبشرية وسوقًا استهلاكية ضخمة.

 

هذا التباين ليس مدعاة للتنافس ، بل فرصة للتكامل .

 

فبدلًا من أن يستورد كل طرف احتياجاته من أسواق بعيدة بالعملة الصعبة ، يمكن بناء منظومة تبادل قائمة على الإنتاج المشترك وسلاسل القيمة المتكاملة والتبادل السلعي .

 

ثانيًا : الأمن القومي في بُعده الاقتصادي

 

لم يعد الأمن القومي يُقاس فقط بالقدرة العسكرية ، بل بالقدرة على تأمين الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد .

 

إن اتفاقية اعتماد اقتصادي متبادل يمكن أن تُشكل صمام أمان للبلدين في مواجهة الصدمات العالمية ، سواء كانت أزمات غذاء أو تقلبات في أسعار الطاقة أو اضطرابات في التجارة الدولية .

 

ثالثًا : تقليل الاعتماد على الخارج

 

كلا البلدين يعاني من ضغط العملات الأجنبية ، وتحديات التمويل الخارجي . ومن هنا ، فإن إنشاء نظام تبادل تجاري بالعملات المحلية ، أو عبر آليات مقاصة ، أو تبادل سلعي يمكن أن يخفف الضغط على الاحتياطيات النقدية ، ويمنح الاقتصادين قدرًا أكبر من الاستقلالية .

 

رابعًا : الإطار المؤسسي – مجلس أعلى للتكامل

 

لكي لا تظل الاتفاقية حبيسة النصوص ، تبرز الحاجة إلى إنشاء مجلس أعلى للتكامل السوداني- المصري ، يكون بمثابة العقل الاستراتيجي والمنسق التنفيذي لمشروعات الاعتماد المتبادل .

 

هذا المجلس لا ينبغي أن يكون جهازًا بروتوكوليًا بيروقراطيا ، بل مؤسسة ذات صلاحيات واضحة ، تضم لجانًا قطاعية (زراعة ، صناعة ، طاقة ، نقل ، مالية) ، وتُمنح سلطة المتابعة والتقييم وفض النزاعات ، مع تقارير دورية ملزمة للحكومتين .

 

إن غياب مثل هذا الكيان المؤسسي كان أحد أسباب تعثر كثير من المبادرات السابقة ، حيث ظلت الأفكار حبيسة الإرادة السياسية المتقلبة ، دون جهاز دائم يحمي استمراريتها .

 

خامسًا : استلهام التجربة التاريخية وتجاوز قصورها

 

ليس المقترح وليد فراغ ؛ فقد شهدت العلاقات السودانية-المصرية في عهد جعفر نميري وأنور السادات تجربة تكامل مشترك مهمة ، قامت على مؤسسات رائدة مثل :

 

المجلس الأعلى للتكامل

برلمان وادي النيل

اتفاقية الدفاع المشترك

بطاقة وادي النيل

مشروعات اقتصادية

 

هذه التجربة ، رغم ما اعتراها من تعثر لاحق ، تقدم دروسًا بالغة الأهمية وهي أن التكامل لا يقوم بالشعارات ، بل بالمؤسسات ، وان تلك التجربة قد مثلت اعمق محاولة للوحدة بين البلدين ، وأن الاستمرارية تحتاج إلى تحصين قانوني واقتصادي ، لا مجرد توافق سياسي عابر .

 

ومن هنا ، فإن المطلوب اليوم ليس استنساخ تلك التجربة ، بل تحديثها واستلهامها بما يتلاءم مع الواقع الراهن وتحدياته الماثلة ، عبر ربط التكامل بالأهداف الاقتصادية والجيوسياسية المباشرة ، وإشراك القطاع الخاص ، والمجتمع المدني وتبني آليات حديثة للحوكمة والشفافية .

 

سادسًا : مجالات التطبيق العملي

يمكن أن تشمل الاتفاقية عدة محاور ، منها :

 

الزراعة التعاقدية: إنتاج محاصيل استراتيجية في السودان لصالح السوق المصري.

 

الربط الصناعي : إقامة مناطق صناعية مشتركة على الحدود .

 

الطاقة والكهرباء : تعزيز الربط الكهربائي وتبادل الفائض .

 

النقل واللوجستيات : تطوير الموانئ والطرق وخطوط السكك الحديدية.

 

التعليم والتدريب : بناء رأس مال بشري مشترك يدعم التنمية.

 

سابعًا : التحديات التي لا يجب تجاهلها

رغم أهمية الفكرة ، إلا أن هناك عقبات حقيقية :

ضعف البنية التحتية

غياب الثقة المؤسسية

التعقيدات البيروقراطية

المخاوف من اختلال ميزان المنافع

هذه التحديات لا تُبرر التأجيل ، بل تستدعي تصميم اتفاقية ذكية ومتدرجة ، تبدأ بمشروعات محددة قابلة للنجاح ، ثم تتوسع تدريجيًا.

 

ثامنا : الشراكة في إعادة إعمار السودان .. فرصة للتكامل لا عبئا عليه

 

في ظل ماخلفته الحرب علي السودان من دمار واسع للبقية التحتية ، وتراجع في القطاعات الإنتاجية والخدمة، تبرز إعادة الإعمار بوصفها التحدي الأكبر والفرصة الأهم لإعادة صياغة الاقتصاد السوداني علي أسس جديدة .

وهنا ، فإن اتفاقية الاعتماد الاقتصادي المتبادل يمكن أن تتحول الي منصة استراتيجية لإعادة الإعمار ولي مجرد إطار لتبادل التجاري.

فمصر بما تمتلكه من خبرات في مجالات :

التشييد والبناء

الطاقة والكهرباء

وتطوير المدن

قادرة علي أن تكون شريكا رئيسا في إعادة إعمار السودان ، ليس في إطار تعاقدي تقليدي ، بل ضمن نموذج شراكة تكاملية تحقق مصالح البلدين.

 

كما يمكن انشاء صندوق مشترك للتنمية وإعادة الإعمار يساهم فيه البلدان ، مع فتح المجال لشركاء اقليميين ودوليين يدار وفق معايير الحوكمة ، ويرتبط مباشرة بمشروعات التكامل الاقتصادي .

 

خاتمة : من الإمكان إلى الإرادة

 

إن كل مقومات النجاح متوفرة ، لكن ما ينقص هو الإرادة السياسية الناجزة والرؤية الاستراتيجية.

 

إن توقيع اتفاقية اعتماد اقتصادي متبادل بين السودان ومصر ، مدعومة بمجلس أعلى للتكامل ، ليس مجرد خيار اقتصادي ، بل هو استثمار في الاستقرار ، وتعزيز للسيادة ، وبناء لمستقبل مشترك .

 

لقد آن الأوان لتحويل القرب الجغرافي إلى شراكة مؤسسية عميقة ، وتحالف نافع يستفيد من دروس الماضي ، ويؤسس لمستقبل لا تحكمه المصادفات ، بل تصنعه الإرادة المشتركة ، وكل ذلك استجابة لتطلعات شعب واحد يعيش في بلدين.

‫شاهد أيضًا‬

الشبح في ثياب الواعيظنا..إسفاف وتعابير محنطة مكرورة..وفقاعات من التهديد والوعيد.وجأر بالنكران لمن صنعوه..!!

*ليست مصادفة أن يخرج شبح زعيم المليشيا (بمسوح) التدين وقد ملأ فمه (بتعابير إيمانية) بينها …