دارفور ليست ورقة تفاوض… بل قضية وطن أعيدوا البعير إلى الديار أولاً… ثم تحدثوا عن الرسن واتفاق جوبا
حديث الساعة الهام سالم منصور

في ظل التعقيدات التي يعيشها السودان اليوم، أصبح من الضروري أن نتحدث بوضوح ومسؤولية بعيدًا عن المجاملات السياسية والشعارات المؤقتة. فالوطن يمر بمنعطف تاريخي خطير، وأي خطأ في ترتيب الأولويات قد يقود البلاد إلى مزيد من التمزق والانقسام. ومن هنا أقولها بملء القناعة الوطنية: يجب علينا أولاً أن نعيد دارفور إلى حضن الوطن، وبعدها فقط يمكن أن نتحدث عن اتفاق جوبا أو أي اتفاق سياسي آخر، لأن الحكمة السودانية القديمة تقول: “نحضر البعير أولاً ثم نطلب الرسن”.
دارفور لم تكن يومًا عبئًا على السودان، بل كانت وما زالت رمزًا للقوة والصبر والتنوع والثروة الإنسانية. لكنها تحولت عبر السنوات إلى ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات والمشاريع الأجنبية التي استغلت هشاشة الوضع السياسي والأمني لتحقيق أجنداتها الخاصة. لذلك فإن القضية اليوم لم تعد مجرد اتفاق سلام أو محاصصة سلطة، بل أصبحت قضية وطن كامل يحاول أن يستعيد توازنه وهيبته ووحدته.
إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الدولة أو القوى السياسية هو الانشغال بتقسيم المقاعد والمناصب بينما المواطن في دارفور ما زال يعيش بين النزوح والخوف وفقدان الأمن. فكيف نتحدث عن تنفيذ اتفاقات بينما القرى مدمرة، والطرق غير آمنة، والسلاح منتشر، والمواطن لا يشعر بوجود الدولة؟ وكيف نناقش بنود السلطة والثروة بينما آلاف الأسر ما زالت تبحث عن مأوى وحياة كريمة؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال بشجاعة هي أن الأمن يسبق السياسة، وهيبة الدولة تسبق الاتفاقات، واستقرار المواطن أهم من كل المناصب والمكاسب. فلا سلام حقيقي دون استعادة الدولة لسيطرتها الكاملة على الأرض، ولا قيمة لأي اتفاق إذا لم يشعر به المواطن البسيط في حياته اليومية.
إن اتفاق جوبا، رغم ما حمله من آمال عند توقيعه، إلا أنه لم يحقق حتى الآن الطموحات الكبيرة التي انتظرها الشعب السوداني، خاصة في دارفور. فبعض الحركات انشغلت بالصراع حول النفوذ أكثر من انشغالها بقضايا المواطن، وتحولت بعض القيادات من الحديث عن السلام إلى التنافس على المكاسب السياسية، بينما بقي المواطن وحده يدفع فاتورة الحرب والانتظار والمعاناة.
ولهذا فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى مشروع وطني حقيقي، لا يقوم على المجاملات ولا على الضغوط الخارجية، بل على رؤية سودانية خالصة تعيد بناء دارفور من الداخل، وتُعيد الثقة بين المواطن والدولة، وتُعالج آثار الحرب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. فدارفور تحتاج إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومشاريع تنموية، بقدر حاجتها إلى الأمن والاستقرار.
كما أن من الضروري أن يكون السلاح فقط في يد القوات المسلحة السودانية، لأن تعدد الجيوش والمليشيات هو أصل الأزمة السودانية وأحد أخطر أسباب انهيار الأمن والاستقرار. فلا يمكن بناء دولة محترمة في ظل وجود قوى مسلحة خارج المنظومة الرسمية، ولا يمكن تحقيق سلام دائم إذا ظل السلاح أداة ضغط ومساومة سياسية.
إن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة ترتيب أولوياته الوطنية، وعلى الجميع أن يدرك أن وحدة البلاد لا تُبنى بالاتفاقات الورقية وحدها، بل تُبنى بالعدالة وهيبة الدولة والتنمية والشعور الحقيقي بالمواطنة. ودارفور يجب ألا تكون مجرد ملف تفاوضي على الطاولات السياسية، بل يجب أن تكون أولوية وطنية عاجلة في مشروع إنقاذ السودان كله.
علينا أن نُعيد دارفور إلى حضن الوطن أولاً… أن نُعيد أمنها واستقرارها وإنسانها وكرامتها، ثم بعد ذلك نجلس ونتحدث عن اتفاق جوبا وعن السياسة وعن شكل المرحلة القادمة.
أما أن نختلف على الرسن بينما البعير ما زال ضائعًا، فتلك ليست سياسة دولة، بل إعادة إنتاج للأزمة بصورة جديدة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاتفاقات بقدر ما يحتاج إلى صدق النوايا، وترتيب الأولويات، وإرادة وطنية تعلو فوق المصالح الضيقة. فحين تعود دارفور آمنة مستقرة، سيعود السودان كله أقرب إلى السلام الحقيقي الذي يحلم به شعبه منذ سنوات طويلة.
الخميس٧مايو٢٠٢٦
توقيع اتفاقية اعتماد اقتصادي متبادل بين السودان ومصر الضرورة الغائبة
في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة ، والمخاطر الماثلة التي تهدد الأمن القومي المشترك لوادي…





