الخرطوم تتكلم بلغة السيادة… فهل تسمع أديس أبابا جيداً؟.
إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

ليست العلاقات بين السودان وإثيوبيا مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا مصالح عابرة تحكمها تقلبات السياسة اليومية، بل هي وشائج تاريخ وجغرافيا ومصير مشترك، صنعتها قرون من التداخل الإنساني والثقافي والتجاري بين شعبين يعرفان جيداً أن الأمن في ضفةٍ لا يستقيم إذا اشتعلت النار في الضفة الأخرى. ومن هذا المنطلق، فإن الحكمة السياسية تقتضي من إثيوبيا أن تعود إلى جادة الصواب، وأن تنظر بعين المسؤولية إلى حق الجوار، لا بعين الحسابات المؤقتة أو الإغراءات الخارجية.
إن السودان، رغم جراحه العميقة وتحدياته المركبة، ظل ينظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة جارة يجب أن تُصان العلاقة معها من الانزلاق نحو الاستقطاب والعداء. غير أن التحولات الإقليمية المتسارعة، وارتفاع قدرة السودان على حماية أرضه وسيادته والرد على أي تهديد، يفرضان واقعاً جديداً ينبغي أن تقرأه أديس أبابا بعقل الدولة لا بعاطفة المحاور.
فالخرطوم اليوم لا تتحدث من موقع الضعف، ولا تقبل أن تكون ساحة مفتوحة للمؤامرات أو الضغوط أو رهانات الآخرين. والسودان الذي يخوض معركة الدفاع عن الدولة والسيادة، بات أكثر إدراكاً لحجم التحديات، وأكثر استعداداً لفرض معادلة الردع وحماية حدوده ومصالحه القومية.
وليس من الحكمة أن تسمح إثيوبيا لأي طرف خارجي — مهما كانت مصالحه أو وعوده — بأن يستخدمها منصة ضغط أو ورقة ابتزاز في مواجهة السودان. فالدول العاقلة تبني علاقاتها على المصالح الثابتة والاحترام المتبادل، لا على رهانات مؤقتة قد تتبدل مع تغير الموازين والتحالفات. والتاريخ مليء بالدروس التي تؤكد أن القوى الخارجية تبحث أولاً عن مصالحها، بينما يبقى الجوار قدراً دائماً لا يمكن الهروب منه.
إن السودان وإثيوبيا أكبر من أن تفرقهما المؤامرات، وأعمق من أن تهزهما حملات التحريض والتأليب. وما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيداً من الاصطفاف، بل مشروعاً حقيقياً للتعاون والتنمية وحماية الأمن الإقليمي. فحين تستقر الخرطوم تستفيد أديس أبابا، وحين تهدأ إثيوبيا ينعكس ذلك على السودان، وهذه حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها.
إن صوت العقل يجب أن ينتصر على ضجيج المصالح العابرة، وعلى القيادة الإثيوبية أن تعي أن قوة الدول لا تُقاس بمدى اقترابها من مشاريع الاستنزاف، بل بقدرتها على حماية استقرار الإقليم واحترام الجوار وصناعة التوازن. فالسودان لن ينسى من يقف معه، كما أنه لن يقبل أن تُطعن علاقات التاريخ بخناجر السياسة المؤقتة.
ويبقى الأمل قائماً بأن تعود العلاقات السودانية الإثيوبية إلى مسارها الطبيعي؛ مسار التعاون لا التآمر، ومسار الحكمة لا المغامرة، لأن الشعوب في نهاية المطاف أبقى من التحالفات، وأقوى من كل محاولات العبث بمصير المنطقة.
من العين إلى نيالا.. منشق يفضح خريطة الدعم الإماراتي للمليشيا بالتدريب والمسيرات والمرتزقة
كشف القائد الميداني المنشق عن قوات “النور قبة”، علي الطيب محمد موسى، عن تفاصيل…





