‫الرئيسية‬ مقالات أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 
مقالات - ‫‫‫‏‫4 دقائق مضت‬

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 

عتبة البيروقراطية… لا عقبتها

> ليست كل البيروقراطية عيبًا…فالدولة التي لا تملك إجراءات، لا تملك هيبة. والمؤسسة التي لا تملك نظامًا، تتحول سريعًا إلى فوضى تتنكر في هيئة تسهيلات.

 

لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين تتحول “العتبة” إلى “عقبة”، وحين يصبح الوصول إلى الخدمة رحلة استنزاف لا مسار تنظيم.

اليوم…

وعقب أيامٍ طويلة من المراجعات والتنقل بين المكاتب والتوقيعات والأختام والأسئلة والانتظار، كنت أقف على بُعد خطوتين فقط من الوصول إلى “ مباراة الكأس ” ، تلك اللحظة الصغيرة التي يشعر فيها المواطن أن الدولة أخيرًا قد اعترفت بحقه في الخدمة.

عشرة أيام عمل رسمي تقريبًا…

ولم يكن الأمر متعلقًا بامتياز خاص، ولا استثناءٍ فوق القانون، بل بإجراءٍ إداري عادي داخل أحد مرافق الدولة.

وخلال حديثٍ طويل مع إحدى الموظفات، كانت تحاول فيه — بجدية واضحة — أن تُقنعني بأن الإجراء الذي قمت به ما يزال ناقصًا، وأن عليّ استكمال بعض التفاصيل حتى لا يحدث تجاوز أو خلل في المستندات… كنت أحاول، في المقابل، أن أفهم:

أين يكمن النقص فعلًا؟

وهل المشكلة في المستند؟

أم في تفسير المستند؟

أم في تعدد فهم الإجراءات نفسها داخل المؤسسة الواحدة؟

لكنني، بعد نقاشٍ طويل، اكتفيت بكلمة واحدة:

“حاضر”.

ليس لأنني اقتنعت تمامًا…

ولا لأنني عجزت عن الرد…

بل لأنني، فجأة، رأيت أمي في عيني تلك الموظفة.

أمي…

التي عملت موظفةً في هيئة سكك حديد السودان، وكانت مسؤولةً عن شؤون العاملين بالرئاسة.

أمي التي كانت تحفظ لوائح السكة الحديد عن ظهر قلب، لا باعتبارها نصوصًا جامدة، بل باعتبارها روحًا تنظّم حياة الناس وتحفظ حقوقهم وتمنع الظلم عنهم.

كانت تؤمن أن الموظف ليس مجرد “ختم” فوق الورق…

بل هو صورة الدولة أمام المواطن.

وأن هيبة الخدمة المدنية لا تُصنع بالصوت العالي، بل بالكفاءة، والانضباط، والفهم، واحترام زمن الناس.

حينها فقط…

فهمت تلك الموظفة أكثر.

فهي، في الحقيقة، لم تكن تتعمد التعقيد، ولم تكن تمارس سلطة صغيرة على مواطن أنهكه الانتظار؛ بل كانت — بطريقتها — تحاول ألّا يمر نقصٌ قد يُحاسَب عليه أحد لاحقًا.

وهنا تكمن المفارقة السودانية المؤلمة:

لدينا موظفون يريدون حماية الإجراءات…

لكننا لا نمنحهم دائمًا التدريب الكافي لفهم الإجراءات بصورة موحدة.

فنقع بين اجتهادين:

اجتهاد المواطن الباحث عن الخدمة.

واجتهاد الموظف الباحث عن السلامة الإدارية.

وفي المنتصف…

يضيع الزمن.

ومن منظور “الجسر والمورد”، فإن أخطر ما يهدد الدولة ليس فقط ضعف الموارد… بل ضعف الجسر الإداري الذي ينقل تلك الموارد إلى الناس.

فالخدمة المدنية ليست أوراقًا تتحرك بين الأدراج، وإنما هي الجسر الذي تعبر عبره الدولة نحو مواطنيها.

وحين يضعف هذا الجسر، لا تتعطل المعاملات فقط… بل تتآكل الثقة نفسها.

إن تكلفة الزمن في الدول ليست أمرًا هامشيًا.

فالوقت الذي يضيع في التعقيد، يُخصم من الاقتصاد، ومن الإنتاج، ومن احترام المواطن لنفسه ولدولته.

ولهذا…

فإننا في #أصل_القضية نوجّه دعوة صريحة إلى وزارة شؤون مجلس الوزراء بأن تصبح الدورات التدريبية المتخصصة في الإجراءات الإدارية، وتوحيد فهم اللوائح، وإدارة الخدمة العامة، جزءًا أصيلًا من تكوين أي موظف في الخدمة المدنية السودانية.

لا نحتاج فقط إلى موظف يعرف “ما المكتوب”…

بل إلى موظف يفهم:

لماذا كُتب؟

وكيف يُطبّق؟

ومتى تتحول الإجراءات من أداة تنظيم إلى أداة إنهاك؟

إن الدول المحترمة لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها الكبرى…

بل بسرعة نافذة صغيرة تُنجز معاملة مواطنٍ بسيط بكرامة واحترام.

ولذلك…

فإن إعادة هيبة الخدمة المدنية ليست شأنًا إداريًا فحسب، بل مشروع سيادة وطنية كاملة.

فهيبة الموظف من هيبة الدولة،

واحترام المواطن من احترام الوطن،

وانضباط الإجراء من انضباط السيادة نفسها.

ولهذا نقول لكل منسوبي الخدمة المدنية في عموم السودان:

أعيدوا للخدمة المدنية هيبتها…

فهيبتها من هيبة السودان.

أما أنتِ أيتها الأستاذة الراقية التي التقيتك اليوم…

فلكِ مني كل الاحترام والتقدير.

لأن حرصك — مهما اختلفنا حول تفاصيله — كان نابعًا من خوفك على المؤسسة لا من رغبتك في التعطيل ، وسنين خدمتك تركت أثرا تستحقين عليه نوط الجدارة والاتقان

وأما أنتِ يا أمي…

فلا أملك لكِ كلامًا.

لأن بعض الأمهات…

لا تنتهي عندهن الجمل،

بل ينتهي عندهن الكلام نفسه.

‫شاهد أيضًا‬

أمانة الحج بشمال كردفان تعلن اكتمال الاستعدادات لانطلاق افواج الحجاج الى الاراضي المقدسة

مع اقتراب موسم الحج من كل عام، تتجه القلوب نحو الأراضي المقدسة، وتتعاظم مشاعر الشوق والرهب…