السلاح داخل المدن… هل يطرق شبح الدعم السريع أبواب السودان من جديد؟
حديث الساعة الهام سالم منصور

بعد الحرب التي مزقت وجدان الوطن قبل جغرافيته، أصبح المواطن السوداني ينظر لأي قوة مسلحة خارج إطار الجيش النظامي بعين القلق والترقب، خاصة عندما تتمركز تلك الحركات داخل المدن الكبرى بكل زادها وعتادها العسكري. فالمشهد لم يعد مجرد وجود قوات تحمل السلاح، بل أصبح قضية ترتبط بالأمن القومي، والاستقرار النفسي للمواطن، ومستقبل الدولة السودانية نفسها.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة:
هل يشكل وجود الحركات المسلحة داخل المدن خطراً محتملاً على البلاد؟ وهل يمكن أن يعاد سيناريو الدعم السريع بصورة أخرى إذا لم تتم معالجة الأمر بحكمة وحسم؟
إن المواطن السوداني الذي عاش مرارة الحرب، والنزوح، وفقدان الأحبة، لم يعد ينظر للسلاح كرمز حماية فقط، بل صار يربطه أيضاً بالخوف وعدم اليقين. فوجود أي تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات داخل المدن يخلق حالة من القلق النفسي والمعنوي وسط الناس، لأن الذاكرة السودانية ما زالت مثقلة بصور الدمار والانتهاكات والانفلات الأمني.
الحروب لا تقتل بالأعيرة النارية وحدها، بل تترك آثاراً نفسية عميقة في نفوس الشعوب. المواطن الذي يسمع أصوات المدرعات ويرى الارتكازات العسكرية أمام الأحياء السكنية يعيش حالة توتر دائمة، حتى وإن لم تكن هناك اشتباكات. فالاستقرار النفسي يبدأ عندما يشعر الإنسان أن الدولة وحدها هي التي تحتكر السلاح وتحمي القانون.
إن تعدد الجيوش داخل الوطن الواحد يمثل خطراً استراتيجياً على هيبة الدولة، مهما كانت المبررات أو الاتفاقات السياسية. فالتجارب أثبتت أن السلاح حين يخرج من الإطار القومي يصبح مشروع أزمة مؤجلة قد تنفجر في أي لحظة نتيجة خلاف سياسي أو صراع مصالح أو تدخلات خارجية.
وما حدث مع الدعم السريع يجب أن يكون درساً قاسياً لا يُنسى. فقد بدأت الفكرة تحت شعارات المساندة والشراكة، ثم تحولت إلى قوة موازية للدولة، حتى دخل السودان في واحدة من أخطر الحروب في تاريخه الحديث. لذلك فإن مخاوف المواطن اليوم ليست ترفاً سياسياً، بل نابعة من تجربة حقيقية عاشها بكل تفاصيل الألم.
ليس المطلوب فتح أبواب العداء مع الحركات المسلحة، ولا تجاهل الاتفاقات التي جاءت بها ظروف البلاد المعقدة، ولكن المطلوب هو وضع رؤية وطنية واضحة تضمن تنفيذ برامج الدمج والتسريح وإعادة التأهيل بصورة حقيقية، بحيث يكون السلاح تحت مظلة القوات المسلحة السودانية وحدها، باعتبارها المؤسسة القومية التي تمثل كل السودانيين.
كما أن وجود الحركات داخل المدن يجب أن يخضع لضوابط أمنية دقيقة، تراعي أمن المواطن أولاً، وتحفظ هيبة الدولة، وتمنع أي احتكاكات أو مظاهر قد تعيد للأذهان مشاهد الحرب والفوضى. فالمواطن الذي خرج من دائرة الرعب يريد أن يرى مدارس تُفتح لا ارتكازات تُقام، ويريد أن يسمع صوت البناء لا صوت السلاح.
إن بناء السودان الجديد لا يكون بكثرة البنادق، وإنما بقوة المؤسسات، وسيادة القانون، ووحدة القرار العسكري تحت راية وطن واحد. فالدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة تظل مهددة بالانقسام والاضطراب مهما رفعت من شعارات السلام.
ويبقى الأمل أن تستفيد البلاد من دروس الماضي، وأن يدرك الجميع أن الوطن أكبر من المصالح الضيقة، وأن أمن المواطن واستقراره النفسي هو حجر الأساس لأي مشروع وطني حقيقي. فالسودان اليوم لا يحتمل تكرار المآسي، ولا يحتمل إعادة إنتاج الأزمات بأسماء جديدة.
الجمعة٨مايو٢٠٢٦
البرهان يتعهد بالقضاء على المرتزقة ولا تفاوض أو سلام معهم
حيَّا السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبدالفت…





