من قلب النار… وُلد الوعي: ” السودان يخوض آخر الحروب ليكتب درس في الوطنية”
إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد مواجهة عسكرية ضدتمرد، ولا معركة على السلطة والنفوذ، بل تحولت — رغم المأساة والدمار — إلى أكبر مدرسة وطنية عرفتها الأجيال السودانية الحديثة.
هذه الحرب، بكل قسوتها، نزعت الأقنعة، وأسقطت الأوهام، وأعادت تعريف الأشياء بأسمائها الحقيقية: من هو الوطني؟ ما معنى الدولة؟ وما قيمة الاستقرار الذي كان البعض يظنه أمراً عادياً لا يستحق الانتباه؟
لقد اكتشف السودانيون، بعد أن تعطلت الحياة، وتبعثرت المدن، وامتلأت الطرقات بالنزوح والخوف، أن الوطن ليس شعاراً سياسياً يُرفع في المنابر، ولا هتافاً موسمياً في مواكب الغضب، بل هو الأمان الذي كنا نعيش فيه دون أن نشعر بقيمته.
وعرف الناس أن الاستقرار ليس ضعفاً كما كان يُروَّج، بل نعمة عظيمة لا تُقاس إلا عندما تضيع.
هذه الحرب صنعت وعياً شعبياً غير مسبوق.
فالجيل الذي كان يسمع عن الوطنية نظرياً، رآها اليوم واقعاً حياً في مواقف الناس البسطاء: في الأم التي تحرس أبناء الحي رغم الجوع، وفي الشاب الذي يحمل الماء والدواء للنازحين، وفي الجنود الذين وقفوا دفاعاً عن الأرض والهوية، وفي المواطن الذي أدرك أن انهيار الدولة يعني انهيار الجميع بلا استثناء.
لقد كشفت الحرب أيضاً أخطر أنواع المعارك: معركة الوعي.
ففي زمن الفوضى، ظهرت جيوش الإشاعات، وتجار الدم، وأبواق الفتنة الذين حاولوا تمزيق المجتمع على أساس القبيلة والجهة والمصلحة. لكن المفاجأة الكبرى أن الشعب السوداني، رغم الألم، أصبح أكثر إدراكاً من أي وقت مضى.
أصبح يميز بين من يريد الوطن، ومن يريد السلطة فوق أنقاض الوطن، بين من يبني الدولة، ومن يتاجر بالخراب.
إن أكبر انتصار خرج به السودان من هذه الحرب ليس عسكرياً فقط، بل فكرياً وشعبياً.
لقد ارتفع منسوب الوعي الوطني بصورة هائلة، وسقطت مفاهيم كثيرة كانت تُباع للناس تحت شعارات براقة.
واليوم صار المواطن السوداني يعرف أن الأمن ليس تفصيلاً، وأن الجيش ليس مجرد مؤسسة عادية، وأن الفوضى ليست طريقاً للحرية، بل بوابة للضياع.
ربما تكون هذه الحرب هي الأكثر إيلاماً في تاريخ السودان الحديث، لكنها أيضاً قد تكون الحرب التي أعادت تشكيل العقل السوداني بالكامل.
حربٌ جعلت الجميع يعيد حساباته، ويكتشف أن الوطن لا يُعوَّض، وأن الخراب حين يبدأ لا يطرق باب أحد ليستأذن.
ولهذا يمكن القول بثقة:
إن السودان، رغم الجراح، يخرج اليوم بشعب أكثر وعياً، وأكثر صلابة، وأكثر فهماً لمعنى الدولة والوطنية والاستقرار.
وإذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها، فإن أعظم نتيجة لهذه الحرب أنها صنعت شعباً لن يُخدع مرة أخرى.
التاريخ سيكتب يوماً أن السودان لم يكن فقط ساحة حرب…
بل كان ساحة ميلاد وعيٍ جديد.
بِأٌمْنِيَةِ أبينا يُفْتَنُون
*{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِ…





