خدمة (إيصالي) الإلكترونية… هل انتصرت الدولة على الفساد وخسرت أمام الزمن؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست المشكلة في أن تتحول الخدمة إلى نظامٍ إلكتروني… بل في أن تتحول الرقمنة نفسها إلى طابور انتظارٍ جديد.
في التجارب الحديثة، لم تظهر الأنظمة الإلكترونية لأن الحكومات أرادت فقط مواكبة التكنولوجيا، وإنما لأنها أدركت أن أخطر ما يهدد الدولة ليس نقص الموارد وحده، بل الفاقد غير المرئي الذي يتسلل عبر الزمن، والتعقيد، والغموض، والفساد الإداري.
ومن هنا جاءت فكرة الخدمات الرقمية أن تختفي الوساطة، ويقل الاحتكاك البشري، وتصبح الإجراءات قابلة للتتبع، وتتحول الدولة من ممراتٍ ورقية بطيئة إلى منظومةٍ ذكية تختصر الوقت وتحفظ المال العام.
وفي السودان، مثّلت خدمة “إيصالي” خطوةً مهمة في هذا الاتجاه. إذ نجحت – إلى حدٍّ كبير – في تحقيق أحد أهم أهداف الرقمنة وهي تقليل الفساد المالي المباشر. فلم يعد التحصيل المالي يتم بالعشوائية القديمة نفسها، ولم تعد الأموال تتحرك بذات الهشاشة التي كانت تسمح بالتسرب أو التلاعب أو غياب الشفافية. وهذا في حد ذاته إنجاز لا ينبغي التقليل من قيمته.
لكن المشكلة الحقيقية بدأت في موضعٍ آخر… في المنطقة التي لا تظهر داخل التقارير المالية: “الزمن”. فالدولة التي نجحت في حماية المال العام، لم تنجح دائمًا في حماية الوقت العام. وهنا تبدأ أصل القضية.
لقد تحولت عبارة “قيد الإجراء” في كثيرٍ من الأحيان، إلى النسخة الرقمية من الأدراج المغلقة القديمة.
فالطلب يُرفع إلكترونيًا… ثم يدخل في رحلةٍ غير مرئية. لا أحد يعرف أين توقف. ولا من أمسك به. ولا لماذا تأخر. ولا متى سينتهي. ولا هل التعطيل ناتج عن خللٍ تقني أم بطءٍ إداري أم غياب مسؤولية.
وهكذا، انتقل المواطن من طوابير النوافذ إلى طوابير الشاشة.
إن إحدى الإشكاليات العميقة في بعض مشاريع التحول الرقمي في العالم النامي أنها تفهم الرقمنة باعتبارها “تحويل الورق إلى شاشة”، لا “إعادة هندسة الخدمة”.
بينما الفرق بين الأمرين هائل.
فالرقمنة الحقيقية لا تعني أن ترفع المستندات عبر الإنترنت بدل تقديمها يدويًا فقط، بل تعني أن يُعاد تصميم الإجراء نفسه ليصبح: أسرع، وأوضح، وأقصر، وقابلًا للقياس والمساءلة.
أما حين تبقى العقلية البيروقراطية القديمة كما هي، فإن التكنولوجيا لا تُلغي التعقيد… بل تمنحه واجهةً إلكترونية أكثر أناقة فقط.
وهذا ما يجعل بعض الأنظمة الرقمية تبدو حديثة في الشكل، لكنها تقليدية جدًا في الجوهر.
إن الزمن ليس عنصرًا ثانويًا في الإدارة العامة كما يُظن. فالاقتصاد الحديث يقوم أساسًا على تقليل “تكلفة الانتظار”. وكل يومٍ تتأخر فيه الخدمة بلا مبرر، يعني: تعطيل مصالح، وإرباك أعمال، وإهدار إنتاجية، واستنزاف ثقة المواطن في الدولة.
ولهذا، فإن قيمة الزمن لا تقل أهمية عن قيمة المال العام. بل إن الدول المتقدمة تنظر إلى الوقت باعتباره موردًا سياديًا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية نفسها.
ومن هنا، فإن نجاح “إيصالي” أو أي منصةٍ إلكترونية لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الإيرادات المحصلة، بل أيضًا بمتوسط الزمن الذي تستغرقه المعاملة، ومدى وضوح مراحلها، وقدرة المواطن على تتبعها، ووجود سقفٍ زمني مُلزم لإنجازها.
إن المشكلة ليست في الرقمنة ذاتها… بل في غياب “فلسفة الخدمة”.
فالمنصة الإلكترونية التي لا تمنح المواطن وضوحًا زمنيًا، ولا تُحمّل الجهة المتأخرة مسؤولية التعطيل، تتحول تدريجيًا من أداة إصلاح إلى مساحة غموض جديدة.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الانتقال: من رقمنة التحصيل… إلى رقمنة المسؤولية.
أي أن يعرف النظام من استلم المعاملة؟ ومن أخّرها؟ ولماذا؟ وكم بقيت في كل مرحلة؟ وهل تجاوزت الزمن المعياري أم لا؟
فحين تصبح هذه البيانات ظاهرة وقابلة للمراجعة، تتحول التكنولوجيا من مجرد واجهة تشغيل إلى أداةٍ لإعادة ضبط الإدارة نفسها.
كما أن الدولة بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “الخدمة المنجزة” إلى مفهوم: “الخدمة المتوقعة زمنيًا”.
أي أن يعرف المواطن مسبقًا كم سيستغرق الطلب؟ وما الحد الأقصى للانتظار؟ وماذا يحدث إذا تجاوزت الجهة الإدارية الزمن المحدد؟ لأن أكثر ما يرهق المواطن ليس التأخير وحده… بل “اللايقين”.
إن رؤية “الجسر والمورد” ترى أن معركة الإصلاح الإداري في السودان لم تعد معركة أوراقٍ وأختام فقط، بل معركة إدارة الزمن داخل الدولة.
فالفساد لا يحدث فقط عندما تُسرق الأموال… بل أيضًا عندما تُهدر أعمار الناس داخل الإجراءات.
والدولة الحديثة لا تُقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي تملكها، بل بقدرتها على تحويل التقنية إلى عدالةٍ زمنية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
> لأن المواطن لا يريد شاشةً أكثر بريقًا… بل يريد دولةً تُنجز.
وهنا… بالضبط #أصل_القضية.
د.القمراوي امينا عاما لديوان الزكاة
شهدت الأمانة العامة لـ ديوان الزكاة اليوم مراسم التسليم والتسلم بين الأستاذ أحمد إبراهيم ع…





