غياب الرؤية الاقتصادية ومآلات عدم الاستقرار السياسي
حديث الساعة الهام سالم منصور

السودان لم يبدأ من الصفر. ورث اقتصاداً قوياً من المستعمر: مشروع الجزيرة، سكة حديد تربط البلاد، ميناء بورتسودان، وجنيه سوداني كان يساوي الجنيه الاسترليني. لكنه لم يحسن إدارة هذا الإرث ولم يقرأ المستقبل. اعتمد منذ اليوم الأول على عقلية الإعانات والقروض، وهي عقلية تقلل السيادة وتبني ضعفاً بنيوياً للدولة اقتصادياً.
بدل أن تستثمر الدولة في بناء الإنسان والقدرة الإنتاجية، اهتمت بالهياكل الوظيفية والمناصب. أفرغت المؤسسات التعليمية من مضمونها ودورها الريادي في الاستقلال الاقتصادي، وحصرت معنى الاستقلال في شعارات زائفة واحتفالات لا تسمن ولا تغني من جوع.
حتى أول خلاف فكري حقي في بناء الدولة اقتصادياً نشأ داخل جيل الاستقلال نفسه. طرح محمد أحمد المحجوب دعا الي دعم الجنيه السوداني ليكون “دولار أفريقيا”، فرد عليه إسماعيل الأزهري: “جئنا محرين وليس معمرين”. لم يعِ الجميع أن الحرية الحقة تعني الاستقلال الاقتصادي والاعتماد على الذات. فحتى الحرية التي ظل ينادي بها الجميع فقدناها بسبب انعدام الرؤية الاستراتيجية، فبتنا أسرى المعونات.
برغم أن الجميع ظل يردد كاستهلاك سياسي: “من لا يملك قوته لا يملك قراره”، ما عمل أحد لذلك. فصرنا نسمع جعجعة ولا نرى طحناً.
—
1. الرؤية الاقتصادية لا تولد في الفراغ
الدولة التي تريد أن تبني اقتصاداً صناعياً أو زراعياً مستداماً تحتاج لشيئين: هدف طويل المدى، وقواعد لعب ثابتة لا تتغير بتغير الحاكم.
الصين في الستينات كانت مغلقة ومضطربة سياسياً، لكنها كانت تملك رؤية واضحة: بناء قاعدة صناعية ثقيلة ونقل التكنولوجيا بأي ثمن. أرسلت 10 آلاف مهندس للاتحاد السوفيتي، وألزمت كل مشروع أجنبي بتدريب الكوادر الصينية. النتيجة أن الصين بعد 1978 فتحت أبوابها فوجدت نفسها جاهزة.
السودان في نفس الفترة كان يغير سياسته مع كل انقلاب وحكومة مدنية قصيرة. عبود يذهب لأمريكا 1961 يطلب قمحاً ومعونة، النميري يذهب لألمانيا 1977 يطلب شركات لتزرع لنا. لا زيارة ربطت بشرط نقل معرفة، ولا مشروع اشترط أن يديره سوداني بعد 5 سنوات. لأن لا أحد كان يعرف إلى أين نحن ذاهبون.
2. غياب الدستور يعني غياب العقد الاجتماعي الاقتصادي
الدستور ليس مجرد وثيقة سياسية. هو العقد الذي يتفق عليه الناس على شكل الدولة، ودور القطاع العام والخاص، وحماية الاستثمار، واستمرارية السياسات الاقتصادية بغض النظر عن من يحكم.
السودان من 1956 إلى 2019 عاش معظم فتراته بدون دستور دائم. دساتير مؤقتة، مراسيم دستورية، وقوانين تتغير مع كل نظام. هذا يعني أن المستثمر الأجنبي والمحلي لا يستطيع أن يخطط لـ 10 سنوات قادمة. اليوم المشروع معفي من الجمارك، غداً يفرضون عليه رسوماً، بعد غد يصادرونه.
عندما لا يوجد دستور، تصبح السياسة الاقتصادية رهينة مزاج الحاكم. النميري يوقع عقداً مع شركة فرنسية لمشروع الرهد، يأتي من بعده حكومة تلغيه. الصين توقع عقداً مع فورد 1980، يظل سارياً حتى اليوم لأن الدستور الصيني يحميه.
3. الحرب والانفصال.. نتيجة لا سبب
التعلل بالحرب وانعدام إحلال سلام دائم كمبرر للتخبط الاقتصادي يضع العربة أمام الحصان. الحقيقة أن استمرار الحرب وفشل السلام الدائم نفسه ناتج عن غياب الرؤية الاستراتيجية.
لو كانت هناك رؤية دولة واضحة تحدد كيف يُدار التنوع وتُوزع الموارد والسلطة، لما تحول الخلاف إلى حرب ممتدة. انفصال الجنوب 2011 لم يكن قدراً محتوماً بسبب اختلاف الثقافات واللغات.
التنوع في حد ذاته مدعاة للقوة لا الضعف، كما ترى في الصين التي تضم 56 قومية، وكما ترى في الهند ونيجيريا. لكن التنوع يتحول إلى نقمة عندما يُدار بعقلية التخبط والفكر الأحادي الذي يريد أن يصهر الجميع في قالب واحد، بدل أن يديره بعقلية الدولة الراشدة التي تحول الاختلاف إلى ميزة تنافسية.
غياب الدستور الدائم والرؤية الجامعة جعل سؤال “كيف نحكم هذا البلد المتنوع” بلا إجابة لمدة 60 سنة، فكانت النتيجة حرباً ثم انفصالاً.
4. مآلات عدم الاستقرار: من مقاول إلى متفرج
غياب الرؤية والثبات الدستوري حول السودان من شريك إلى متفرج.
– جئنا بالشركات الأجنبية لتعمل _لنا_ في الرهد وكنانة، فغادرت وتركتهما يعتمدان على الخبرة الأجنبية.
– الصين جاءت بالشركات لتعمل _معها_، فأصبحت اليوم هي من تبني المشاريع في إفريقيا وأوروبا.
الفرق أن الصين كان عندها دستور حزبي غير مكتوب لكنه ثابت: “نبني الإنسان والبنية التحتية أولاً”. ونحن لم يكن عندنا دستور مكتوب يقول “هذه هي أولويات الدولة لـ 20 سنة القادمة، ومن يخالفها يتحمل المسؤولية”.
الخلاصة
الاستقلال السياسي بلا استقلال اقتصادي يبقى ناقصاً. والاستقلال الاقتصادي لا يأتي بالشعارات، بل برؤية استراتيجية مكتوبة في دستور دائم يلزم كل حكومة أن تكمل ما بدأته التي قبلها.
السودان أنفق 60 سنة يجرب الحكومات، بينما كان يحتاج أن يجرب خطة واحدة لمدة 20 سنة. الصين أنفقت 20 سنة تبني الإنسان بصمت، ثم أنفقت 40 سنة تجني الثمرة.
إذا أردنا كسر الحلقة، فالبداية ليست بقرض جديد أو وزير جديد. البداية بدستور دائم يحدد أين نريد أن نكون سنة 2045، ويلزم كل حكومة أن تمشي في نفس الطريق، أو تستقيل.
١٨مايو٢٠٢٦
«سيف كوكو».. هل تكفي الإقالة وحدها؟ (1ـ3)؟
في 22 أبريل الماضي، أصدر مجلس الوزراء برئاسة الدكتور كامل إدريس القرار رقم (81) لسنة 2026،…





