حارسة الذاكرة في مهبِّ الركام: متاحفنا والأمل المرتجى لتوحيد عالمٍ منقسم
شيء للوطن م. صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في الثامن عشر من مايو، يقف العالم إجلالاً وتدبراً أمام صروح الوعي الإنساني بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف؛ تلك المناسبة الدولية الرفيعة التي دشنها المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) منذ عام 1977، لتكون ميعاداً سنوياً متجدداً يهدف إلى إعلاء قيمة هذه المؤسسات بوصفها ركائز أساسية للتبادل الثقافي، وإثراء الحضارة البشرية، وتوطيد أواصر التفاهم والتعاون والسلام بين الشعوب. وفي هذا العام، يكتسي الحدث أهمية استثنائية بالغة إذ يتنزل تحت شعار تفيض به الحاجة الملحة: “المتاحف توحد عالماً منقسماً”. وهو الشعار الذي يتزامن مع الذكرى الثمانين لتأسيس المجلس الدولي، ليسلط الضوء على القدرات الكامنة للمتاحف كجسورٍ حية تعبر فوق الانقسامات الثقافية والاجتماعية والجيوسياسية، وتصنع فضاءات عامة موثوقة لإعادة بناء الروابط الإنسانية عبر الحدود والأجيال.
لكن، كيف يستقبل بلدٌ مثقلٌ بجراح الحرب والنزوح هذا اليوم العالمي؟ حين نسقط هذا الشعار العالمي الباذخ بالسلام على واقع التراث في السودان، تنزف الذاكرة الوطنية ألماً وحسرة. إنها المفارقة المأساوية؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن المتاحف كوسيلة لتوحيد الشتات وترسيخ السلم عبر أهداف التنمية المستدامة – ولا سيما الهدف العاشر المعني بالحد من عدم المساواة، والهدف السادس عشر الرامي لتعزيز العدالة والسلام، والهدف السابع عشر القائم على الشراكات – يشهد السودان فصلاً كارثياً من فصول التدمير الممنهج والانتهاكات الصارخة التي طالت محتويات متاحفه التاريخية جراء الحرب الضروس التي عصفت بالبلاد.
إن ما تعرض له المتحف القومي، الذي يمثل درة التاج للمجهود الآثاري الوطني ومخزناً لآلاف السنين من الحضارة النوبية والكوشية والمسيحية والإسلامية، فضلاً عن بقية المتاحف المتخصصة، لم يكن مجرد أضرار جانبية للنزاع المسلح، بل صُنِّف كجريمة مكتملة الأركان ضد الهوية والتاريخ الإنساني المشترك. لقد نُهبت القطع النادرة، وعُبث بالذخائر الإستراتيجية للذاكرة السودانية، وتُركت الرموز المادية لكرامة هذا الشعب عرضة للتخريب والضياع والاتجار غير المشروع. هذه الانتهاكات لا تستهدف الحجر أو الفخار أو الذهب المودع في الخزائن، بل تستهدف اقتلاع الجذور وتجريف الوعي الجمعي وإيقاع الهزيمة النفسية بوجدان الأمة.
أمام هذا المشهد الجنائزي للمركز الحضاري في العاصمة، تبرز ضرورة إستراتيجية لا تقبل التأجيل: إنها “لامركزية الحماية الثقافية” عبر تفعيل وبناء متاحف الولايات. لقد علمتنا هذه الحرب القاسية أن حصر الإرث الوطني كله في سلة جغرافية واحدة يهدد بإبادة الذاكرة بضربة واحدة. إن متاحف الولايات لم تعد مجرد ترفٍ سياحي أو مناشط إقليمية، بل غدت ضرورة أمنية وحضارية لابد منها كخط دفاع ثانٍ لحفظ الأصول التراثية، وتوزيع الإرث التاريخي على بقع جغرافية متعددة تضمن بقاءه للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق الملتهب، تتجه الأنظار نحو الولاية الشمالية، حيث يتجلى نموذج صارخ للتلكؤ غير المبرر في حماية التراث. إن السعة والمسؤولية التاريخية تقتضي الإسراع بإنهاء مشروع “متحف السرايا بدنقلا” وحسم الخلاف الإداري أو العقاري المحيط به فوراً ودون أي إبطاء. إن هذا المتحف المنتظر ليس مجرد جدران إسمنتية، بل هو الحصن الذي يجب أن يفتح أبوابه فوراً لاستيعاب القطع الأثرية وتأمينها، وليكون مركز إشعاع معرفي يربط إنسان المنطقة بجذوره، ويبرهن على أن الدولة قادرة على صون إرثها حتى في أحلك الظروف. إن حسم هذا الخلاف هو أول الغيث في معركة الاسترداد والترميم المعنوي والمادي للتراث السوداني.
وعلى الجانب الآخر من المعاناة، وفي قلب الشتات ومآسي النزوح، تلوح بارقة أمل وتضامن وثيق يحقق روح شعار اليوم العالمي للمتاحف. ففي الوقت الذي تعيش فيه الجالية السودانية المقيمة بالقاهرة – سواء المقيمون القدامى أو أولئك الذين قادتهم ظروف الحرب القاسية ولجأوا إلى الشقيقة مصر – حالة من الفقد والاغتراب، تأتي المبادرة الكريمة من متاحف القاهرة بفتح أبوابها مجاناً للجمهور احتفاءً بهذا اليوم.
إنها دعوة حارة وصادقة نتوجه بها إلى كل فرد من أفراد الجالية السودانية في مصر: اخرجوا برفقة أطفالكم وعائلاتكم، واجعلوا من الثامن عشر من مايو يوماً للتعافي الثقافي والتأمل. اذهبوا وزوروا متاحف القاهرة العريقة؛ فهي ليست مجرد قاعات لعرض الآثار المصرية، بل هي فضاءات تحتضن شواهد التداخل التاريخي العضوي والمصير المشترك بين وادي النيل شمالاً وجنوباً. إن التواجد السوداني في هذه الفضاءات المفتوحة مجاناً يمثل فرصة ثمينة لاستدعاء الجمال وسط القبح، و لالتماس العزاء الحضاري في متاحف تدرك دورها الإنساني في “توحيد عالم منقسم”. هناك، بين أروقة التاريخ، يمكن للأبناء أن يتذكروا أنهم ينتمون إلى أمة صنعت الفجر الباكر للإنسانية، وأن الحروب عارضة، بينما تظل الحضارة راسخة الجذور.
ختاماً، إن الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف هذا العام بالنسبة للسودان ليس طقساً احتفالياً، بل هو صرخة استغاثة وعهد متجدد. صرخة تطلقها الضمائر الحية لحماية ما تبقى من آثارنا وتفعيل آليات الطوارئ الدولية والملاحقة الجنائية لكل من تلطخت يداه بالسرقة أو التخريب، وعهد نقطعه بأن نعيد بناء كل ما هدمته الحرب. لتكن متاحفنا القادمة متاحف للسلام، ولتكن ولاياتنا حصوناً للذاكرة، وليظل الوعي بالتاريخ هو السلاح الأقوى في وجه التشرذم والنسيان.
القضارف تستقبل طلابها الموشحين بذهب المسار الرياضي
استقبل وزير الشباب والرياضة بالقضارف الأستاذ المعز يوسف ، إلى جانب المكتب التنفيذي للصندوق…





