‫الرئيسية‬ مقالات حين يُباع الوطن بثمن بخس.. من يحمي عقول شباب السودان؟
مقالات - ‫‫‫‏‫20 ساعة مضت‬

حين يُباع الوطن بثمن بخس.. من يحمي عقول شباب السودان؟

حديث الساعة إلهام سالم منصور

ما حدث في ولاية كسلا فجر الأمس ليس حادثة عابرة يمكن تجاوزها مرور الكرام، بل هو جرس إنذار خطير ورسالة يجب أن يتوقف عندها الجميع طويلاً. فالقضية لم تعد مجرد محاولة تهريب أسلحة أو مسيّرات إلى داخل مدينة آمنة، وإنما أصبحت قضية تمس الأمن القومي السوداني بصورة مباشرة، وتكشف حجم الاستهداف الذي تتعرض له البلاد عبر استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشباب.

لقد أصبح الوطن اليوم في مواجهة نوع جديد من الحروب، حروب تعتمد على شراء الذمم واستغلال الحاجة والفقر والبطالة. العدو لم يعد فقط يحمل السلاح في أرض المعركة، بل أصبح يبحث عن الشباب المنهك اقتصادياً، المحاصر بضيق المعيشة وارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل، ليغريه بالمال السريع ويزجه في أعمال تخريبية قد تدمر وطناً بأكمله.

إن استخدام شاحنات نقل المواشي كغطاء لإدخال أسلحة ومسيّرات إلى داخل مدينة كسلا يكشف أن المخطط كان كبيراً وخطيراً، وأن هناك جهات تعمل بكل الوسائل لاختراق المدن الآمنة وبث الرعب وسط المواطنين. والأخطر من ذلك أن بعض من تورطوا في هذه الأعمال هم شباب سودانيون، دفعتهم الظروف القاسية إلى السير في طريق مظلم لا يدركون نهايته الكارثية.

لكن وسط هذا المشهد المقلق، لا بد أن نقف احتراماً وتقديراً لاستخبارات وأمن ولاية كسلا التي أثبتت يقظة عالية ومتابعة دقيقة لكل التحركات المشبوهة، حيث تمكنت بحمد الله من كشف العملية قبل دخول الشاحنات إلى داخل المدينة، وتم التعامل معها بصورة حاسمة حالت دون وقوع كارثة كان يمكن أن تحصد أرواح الأبرياء وتنشر الذعر في كل أرجاء الولاية.

إن ما حدث يثبت أن الأجهزة الأمنية والعسكرية تتحمل عبئاً ضخماً في حماية البلاد، لكن حماية الوطن ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل. فالمعركة اليوم هي معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح. ولذلك فإننا نحتاج إلى مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الوعي لدى الشباب، وغرس قيم الانتماء والولاء للوطن، وتوضيح أن المال الذي يأتي عبر خيانة الوطن أو خدمة أعدائه هو مال يحمل معه الخراب والدمار واللعنة.

للأسف، فإن الواقع الاقتصادي المرير جعل بعض الشباب فريسة سهلة لعصابات التهريب وتجار الحروب والمخدرات. فحين يغيب الأمل وتغلق أبواب العمل الشريف، يصبح البعض مستعداً للمغامرة بكل شيء مقابل لقمة العيش. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، لأن الوطن الذي يفقد شبابه يفقد مستقبله بالكامل.

ولذلك لا بد أن تتحرك الدولة بصورة عاجلة لفتح فرص العمل أمام الشباب، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع الإنتاج، ومحاربة البطالة التي أصبحت وقوداً لكل أشكال الجريمة والانحراف. كما أن على وسائل الإعلام أن تلعب دوراً أكبر في التوعية وكشف مخاطر التهريب والتخابر وخدمة الأعداء، وأن تعمل على تعزيز روح الوطنية وسط الأجيال الجديدة.

كذلك فإن الأسرة السودانية مطالبة اليوم بالعودة إلى دورها التربوي الحقيقي، فالأبناء يحتاجون إلى التوجيه والمتابعة وغرس القيم الأخلاقية والوطنية منذ الصغر. فالخطر لم يعد بعيداً، بل أصبح يتسلل عبر الحاجة الاقتصادية وعبر شبكات منظمة تستهدف عقول الشباب قبل أيديهم.

إن السودان يمر بمرحلة دقيقة تتطلب تماسكاً وطنياً كبيراً، لأن الأعداء يدركون أن إسقاط الدول لا يتم فقط عبر المعارك العسكرية، وإنما أيضاً عبر تفكيك المجتمع من الداخل وضرب قيمه الوطنية واستغلال شبابه في نشر الفوضى والدمار.

ومن هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا يوجد مبرر لبيع الوطن مهما كانت الظروف قاسية، ولا يمكن أن يكون الفقر سبباً للمشاركة في تهديد أمن المواطنين. نعم، نعلم حجم المعاناة الاقتصادية التي يعيشها الناس، وندرك حجم الضيق الذي يواجهه الشباب، لكن الوطن إن ضاع فلن يبقى لا مال ولا أمان ولا مستقبل.

إن السودان يحتاج اليوم إلى ثورة وعي حقيقية، وإلى خطاب وطني صادق يضع مصلحة البلاد فوق المصالح الشخصية، ويعيد للشباب الثقة بأن المستقبل يمكن أن يُبنى بالعمل الشريف لا بالتهريب، وبالإنتاج لا بالخيانة، وبحب الوطن لا ببيعه بثمن بخس.

حفظ الله السودان وأهله، وحمى شبابه من كل من يسعى لاستغلال حاجتهم وتحويلهم إلى أدوات خراب في وطنهم.

الثلاثاء ١٩مايو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

الجهاد ثمنه الجَنَّةوالنصر مِنَّة

📖*{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَـٰرَةࣲ تُنجِیكُم مِّنۡ …