‫الرئيسية‬ مقالات المواطن السوداني وصناعة أزمته؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

المواطن السوداني وصناعة أزمته؟

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر — باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست كل الأزمات تُفرض على الشعوب بالقوة وحدها، فهناك شعوب تُشارك ــ تدريجيًا ــ في صناعة واقعها المأزوم، حتى تصبح جزءًا من الأزمة وهي تظن أنها مجرد ضحية لها.

وهنا تبدأ #أصل_القضية.

 

فالسودان اليوم يعيش واحدة من أكثر لحظاته ارتباكًا وتعقيدًا، ليس فقط بسبب الحرب أو السياسة أو الاقتصاد، بل بسبب انهيار المعايير نفسها.

حتى وصلنا إلى لحظة يمكن وصفها ب:

> “الكل يبكي… ولا أحد يعرف من سرق المصحف.”

○ الجميع يشكو.

○ الجميع غاضب.

○ الجميع يدّعي الوطنية.

○ الجميع يتحدث عن الدولة والأخلاق والمصلحة العامة.

لكن حين تنظر عميقًا داخل المشهد، تكتشف أن كثيرًا من الناس ــ بدرجات متفاوتة ــ شاركوا في إنتاج هذا الواقع، إما بالصمت، أو بالتبرير، أو بالمصلحة، أو بالرغبة المستمرة في الانتصار للذات ولو على حساب الوطن كله.

 

حين أصبحت السياسة وسيلة نجاة لا وسيلة بناء:

في السودان، لم تعد السياسة عند كثيرين مشروعًا لإدارة الدولة، بل تحولت إلى مهنة للبحث عن النفوذ، والمكانة ، والحماية، والرزق، وحتى إثبات الوجود.

فامتهن الجميع السياسة بصورة أو بأخرى، لأن السياسة أصبحت الطريق الأسرع لكي يسمع الإنسان صوته، أو يحقق حلمه، أو يحتمي من هشاشة الواقع.

حتى صار الانتماء السياسي عند البعض أقرب إلى بطاقة عبور اجتماعية لا موقفًا فكريًا.

وهنا بدأت الكارثة الصامتة ، حين تتحول الأحزاب والجماعات من أدوات لبناء الوطن إلى أدوات لتحقيق المصالح الفردية والجماعية الضيقة.

 

المواطن العادي… حين يصبح جزءًا من المنظومة :

الأزمة لم تكن أزمة النخب وحدها.

فالجار في الحي، والزميل في العمل، والموظف في المؤسسة العامة، وحتى بعض من يرتدون الزي المدني أو العسكري، كلهم تأثروا ــ وأثروا ــ في هذا المناخ المشوّه.

● ذلك الذي يلعن الفساد صباحًا، ثم يبحث مساءً عن واسطة لابنه.

● وذلك الذي يشتكي من انهيار الدولة، ثم يعطل معاملات الناس لأنه يريد أن يشعر بقيمة سلطته الصغيرة.

● وذلك الذي يرفع شعارات الوطنية، لكنه لا يحتمل نجاح شخص آخر قريب منه.

حتى أصبح كثير من الناس يريدون العدالة… بشرط أن تمر عبر مصالحهم أولًا.

 

انهيار المعايير… حين يختلط الصدق بالكذب:

أخطر ما أصاب المجتمع السوداني اليوم ليس الفقر وحده، بل اختلاط المعايير.

○ اختلط السيئ بالجيد.

○ والصادق بالكاذب.

○ والمخلص بالمنافق.

○ والوطني بالانتهازي.

حتى أصبح الناس أحيانًا عاجزين عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين الموقف الأخلاقي الحقيقي والموقف المصنوع لأغراض الحشد.

وصار الإنسان لا يُقاس بما يفعل،

بل بمدى صوته العالي، أو قدرته على تعبئة الجماهير، أو مهارته في تشويه خصومه.

وهكذا دخل المجتمع في مرحلة خطيرة:

> مرحلة تآكل البوصلة الأخلاقية.

لكن ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد أزمة سياسة أو حرب،

بل هو ــ وفق ما يطرح ميلان كونديرا في كتابه الوصايا المغدورة ــ نوع من “خيانة المعنى”.

فكونديرا يتحدث عن الكيفية التي تُغدر بها الأفكار والقيم والمعاني حين تنتقل من جيل إلى آخر، أو من النخبة إلى الجماهير، حيث لا تبقى الفكرة كما وُلدت، بل تتحول تدريجيًا إلى نسخة مشوهة تخدم الأهواء والمصالح والحشود.

وهذا بالضبط ما أصاب كثيرًا من المفاهيم في السودان.

فالحرية تحولت أحيانًا إلى فوضى،

والوطنية إلى أداة تخوين، والثورة إلى سوق للمزايدات، والانتماء إلى وسيلة للفرز والإقصاء، بل وحتى الحقيقة نفسها أصبحت قابلة لإعادة التشكيل بحسب الجهة التي ترويها.

> وهنا لا تعود الأزمة أزمة “من أخطأ؟”

بل أزمة مجتمع فقد القدرة على حماية المعاني الأصلية للأشياء.

كأن الكلمات نفسها تعرضت للحرب.

○ فالجميع يتحدث عن الوطن… لكن الوطن ذاته يتآكل.

○ والجميع يتحدث عن العدالة… لكن كل طرف يريدها على مقاسه الخاص.

○ والجميع يرفع شعارات الأخلاق لكن المصلحة كثيرًا ما تسبق الضمير.

وهنا تظهر واحدة من أخطر أفكار كونديرا:

> أن خيانة المعنى لا تحدث دفعة واحدة، بل تبدأ حين يتحول الإنسان من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن ذاته داخل الحشود.

 

الانتصار للذات… ولو احترق الجميع:

في كثير من النقاشات السودانية اليوم، لا يبحث الناس عن الحقيقة بقدر بحثهم عن الانتصار.

○ انتصار القبيلة.

○ انتصار الحزب.

○ انتصار الجماعة.

○ انتصار الشخص.

حتى لو كان الثمن:

تدمير الآخر، أو اغتياله معنويًا، أو تشويه سمعته، أو تحطيم أي مساحة مشتركة يمكن أن تجمع الناس.

وكأن المعركة لم تعد: كيف نبني وطنًا؟ بل: كيف نهزم بعضنا البعض أولًا؟ ، ولهذا أصبحت الخصومة السياسية والاجتماعية أحيانًا أقرب إلى رغبة انتقامية جماعية، لا إلى اختلاف طبيعي داخل مجتمع حي.

 

يذهب هاينل وآخرون في كتاب سيكولوجية التعصب إلى أن المجتمعات المأزومة لا تنتج التعصب بسبب الأفكار وحدها، بل بسبب الخوف والهشاشة النفسية والشعور الجمعي بالتهديد.

فالإنسان حين يشعر بالعجز،

أو فقدان الأمان،

أو ضياع المعنى،

يميل إلى الاحتماء بالجماعة ، القبيلة، الحزب، المنطقة، القائد، أو حتى الحشد الإلكتروني. وهنا يبدأ العقل في فقدان توازنه النقدي.

فيتحول :

○ المختلف إلى “خطر”،

○ والسؤال إلى “خيانة”،

○ والنقد إلى “استهداف”،

○ ويصبح الانتماء أهم من الحقيقة نفسها.

> وهذا ما يفسر كيف أصبح كثير من السودانيين ــ دون أن يشعروا ــ أسرى للاستقطاب الحاد،حتى صار بعض الناس غير قادرين على رؤية أخطاء جماعتهم مهما كانت واضحة، بينما يرون أخطاء الآخرين مكبرة بصورة مرضية.

إنها الحالة التي يسميها علماء النفس:

> “العمى الأخلاقي الناتج عن التعصب الجمعي.”

وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإنه لا يستهلك موارده فقط، بل يستهلك أعصابه، وثقته،

وقدرته على التعايش، ثم يدخل في دائرة خطيرة يصبح فيها الانتقام العاطفي أهم من بناء المستقبل.

 

المجتمع الذي استهلك نفسه:

إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفساد المالي أو السلاح، بل تنهار حين تبدأ طاقتها الداخلية في التآكل.

○ حين يتحول الناس إلى خصوم دائمين.

○ وحين تصبح الثقة عملة نادرة.

○ وحين يخاف الجميع من الجميع.

○ وحين يُنظر إلى كل نجاح بريبة، وإلى كل رأي مختلف كخيانة محتملة.

> وهنا يدخل المجتمع مرحلة الاستنزاف الذاتي.

مرحلة يستهلك فيها الناس بعضهم بعضًا نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا، حتى يصبح الوطن مجرد ساحة صراع مفتوح بين ذوات متعبة تبحث عن انتصار شخصي سريع.

 

الجسر والمورد… استعادة الإنسان قبل الدولة:

وفق رؤية “الجسر والمورد”، فإن إعادة بناء السودان لا تبدأ فقط بإيقاف الحرب أو إصلاح الاقتصاد، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني نفسه.

الإنسان الذي يستطيع أن يختلف دون كراهية، وينتقد دون تدمير،

وينجح دون أن يشعر بالحاجة لتحطيم الآخرين، ويبحث عن الحقيقة لا عن الانتصار الأعمى.

 

لأن أخطر ما أصاب السودان ليس فقط انهيار المؤسسات، بل تحوّل كثير من الناس إلى أسرى لمعركة إثبات الذات بأي ثمن.

ولهذا فإن مأساة السودان اليوم ليست فقط في السلاح، بل في الإنسان المنهك نفسيًا وأخلاقيًا ومعرفيًا.

إنها أزمة مجتمع دخل ــ دون أن ينتبه ــ في حرب طويلة ضد نفسه.

حرب تُغدر فيها المعاني، وتتآكل فيها الثقة، ويتحول فيها الحشد إلى بديل للعقل، والانتصار المؤقت إلى بديل للحقيقة.

ولهذا فإن إعادة بناء السودان ليست مجرد مشروع سياسي،

بل مشروع لاستعادة الإنسان السوداني من قبضة الخوف، والتعصب، والحشود، وخيانة المعنى.

وحين تصبح الذات أهم من الوطن،

والانتصار أهم من الحقيقة،والحشد أهم من الوعي، يبدأ المجتمع كله في الدوران داخل حلقة لا تنتهي من البكاء الجماعي.

> الكل يبكي…

> ولا أحد يعرف من سرق المصحف؟.

فهل نعي #أصل_القضية؟

‫شاهد أيضًا‬

الجهاد ثمنه الجَنَّةوالنصر مِنَّة

📖*{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَـٰرَةࣲ تُنجِیكُم مِّنۡ …