الرئيس البرهان… كن بخير
إسماعيل شريف

يبدو أن الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لا يدرك تماماً حجم موقعه الحالي في المعادلة السودانية المعقدة، ولا طبيعة اللحظة التاريخية الحرجة التي تمر بها البلاد، بكل ما تحمله من تشظٍ سياسي، واستقطاب عسكري، وانهيار اقتصادي، وانهاك اجتماعي غير مسبوق.
قد يختلف السودانيون حول الرجل؛ هناك من يراه قائداً لمعركة الحفاظ على الدولة، وهناك من يحمّله مسؤولية جانب من الانسداد السياسي الذي سبق الحرب، وآخرون يعتبرونه جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل. لكن، وبعيداً عن الاصطفافات والانفعالات السياسية، تبقى حقيقة لا يمكن تجاوزها: البرهان اليوم يمثل نقطة ارتكاز أساسية في بنية الدولة السودانية الحالية، ووجوده في هذا التوقيت الحرج يرتبط مباشرة باستقرار المؤسسة العسكرية وتماسك التحالفات القائمة حولها.
السودان الآن ليس في ظرف طبيعي يمكن فيه التعامل مع مسألة القيادة باعتبارها شأناً بروتوكولياً أو تفصيلاً سياسياً قابلاً للتبديل السلس. البلاد تعيش حرباً مفتوحة، وحدوداً ملتهبة، وانقسامات داخلية عميقة، ومشروعات متصارعة تتنازع مستقبل الدولة نفسها. وفي ظل هذه البيئة المضطربة، فإن أي فراغ مفاجئ في قمة السلطة قد يفتح أبواباً واسعة للفوضى والصراعات داخل مراكز القوة المختلفة.
خلو موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة في هذا الظرف تحديداً لن يكون حدثاً عابراً، بل قد يتحول إلى شرارة لصراع معقد يبدأ من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، ويمتد إلى القوى السياسية والحركات المسلحة والتحالفات المدنية والإقليمية المرتبطة بمسار الحرب ومآلاتها. فالكثير من التوازنات الحالية ـ مهما بدت هشة ـ ما تزال مرتبطة بشخص البرهان بوصفه رأس السلطة العسكرية والسيادية القائمة.
ومن هنا تبدو الملاحظة المثيرة للقلق في تحركات الرجل الأخيرة. فالمتابع لجولات البرهان الميدانية يلاحظ حالة من التخفف الواضح من القيود الأمنية والبروتوكولات الرئاسية؛ زيارات للأسواق العامة، ظهور وسط الحشود، مصافحة مباشرة للمواطنين، وتناول الشاي والقهوة والعصائر من الباعة المتجولين بصورة متكررة، وكأن الرجل يريد إرسال رسائل قرب شعبي أو ثقة مفرطة في الأوضاع الأمنية.
قد تبدو هذه التصرفات للبعض تعبيراً عن البساطة أو الشجاعة أو الثقة بالنفس، لكنها في حسابات الدول التي تعيش ظروف الحرب تمثل مجازفة كبيرة لا تتناسب مع حساسية الموقع ولا خطورة المرحلة. فالرؤساء في أوقات الحروب لا يملكون رفاهية التعامل العفوي مع محيطهم، لأن وجودهم لا يعود ملكاً لهم وحدهم، بل يصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي واستقرار الدولة.
البرهان اليوم ليس مجرد قائد عسكري أو رئيس مجلس سيادة؛ بل تحول ـ بحكم الظروف ـ إلى رمز تلتف حوله قطاعات واسعة من أنصار الجيش والداعمين لما يُعرف بـ”معركة الكرامة”. وبالتالي فإن أي تهديد يطال سلامته الشخصية ستكون له تداعيات نفسية وسياسية وعسكرية تتجاوز شخصه إلى كامل المشهد السوداني.
كما أن خصوم السودان، والمتربصين بحالته الهشة، يدركون جيداً أن استهداف رأس السلطة في لحظة كهذه قد يكون مدخلاً لإرباك الدولة وإغراقها في صراعات أكثر تعقيداً. فالدول المنهكة بالحروب تصبح أكثر هشاشة أمام صدمات القيادة، خصوصاً عندما تكون المؤسسات نفسها تحت ضغط الاستنزاف والانقسام.
لا أحد يطالب البرهان بالانعزال عن الناس أو التحول إلى رئيس يعيش خلف الجدران، لكن التوازن مطلوب بين التواصل الشعبي ومتطلبات الأمن الرئاسي. فالقائد الذي يقود بلداً في قلب الحرب لا يملك حق الاستهانة بسلامته الشخصية، مهما كانت دوافعه أو رسائله السياسية.
ولهذا فإن النصيحة هنا ليست نابعة من موقف سياسي مؤيد أو معارض، بل من قراءة واقعية لطبيعة اللحظة السودانية الحالية. فالبلاد ببساطة لا تحتمل الآن مفاجآت كبرى جديدة، ولا تملك ترف الدخول في فراغات دستورية أو صراعات قيادة إضافية.
ولهذا نقول للفريق أول عبد الفتاح البرهان:
لست ملك نفسك الآن.
أنت تمثل ـ شئنا أم أبينا ـ ركناً أساسياً في توازن بالغ الهشاشة، ووجودك بات مرتبطاً بصورة مباشرة بمصير مرحلة كاملة من تاريخ السودان.
حافظ على نفسك، وعلى صحتك، وعلى أمنك الشخصي، لأن نجاة الوطن المنهك من هذه الحرب قد تتوقف ـ ولو جزئياً ـ على بقاء الخيط الأخير الذي ما تزال تتعلق به كثير من التوازنات القائمة.
اليوم العالمي لإدارة التنوع
على مدى تداول ابتدارها وإعلانها،عبر الاحتفاء الدوري باحيائها، بغرض دعوة الناس إلى التمثل ب…





