صحافةُ ما بعدَ الشتات: رهانُ الاستعادةِ من قلبِ أم درمان
واقع معاش اللازم السفير

في مشهدٍ يختزلُ وجعَ السنواتِ الأربعِ وعنفوانَ الإرادة، التأم شملُ الصحفيين السودانيين في مناسبة “معايدة عيد الأضحى المبارك”، التي احتضنها منتجعُ الراكوبة السياحي بمدينة أم درمان. لم يكن اللقاءُ مجردَ تبادلٍ للتهاني التقليدية في رحابِ العيد، بل كان تظاهرةً رمزيةً تعلن صمود “صاحبة الجلالة” في وجهِ عواصفِ الحربِ التي استهدفت المؤسساتِ الإعلامية والمطابعَ وكلَّ مقوماتِ العملِ الصحفي، تاركةً خلفها شتاتاً ووجعاً طال الصحفيين كغيرهم من أبناء الوطن.
لقد جاء هذا اللقاءُ ليحمل دلالاتٍ عميقة؛ فبعد أربع سنوات من النزوح القسري والتشريد الذي طال العقول والأقلام، عاد الصحفيون ليضعوا أقدامهم على أرض الخرطوم التي ظلت عصيةً على الانكسار. إن اختيارَ مدينةِ أم درمان، وتحديداً منتجع الراكوبة، ليكون مسرحاً لهذا اللقاء، يعزز من رسالةِ التعافي التي أراد الصحفيون إيصالها للرأي العام، مؤكدين أن المهنةَ التي غيبتها ظروفُ الحربِ قسراً، تعودُ اليوم لتستعيدَ عافيتها من قلبِ الأحداث.
وقد شرف اللقاءَ والي ولاية الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة، ووزير الإعلام الأستاذ الطيب سعد الدين، في خطوةٍ حملت أبعاداً استراتيجيةً تتجاوز البروتوكول، حيث عكس هذا الحضورُ تقديرَ الجهازِ التنفيذي للدور الذي يلعبه الإعلامُ في هذه المرحلةِ المفصلية من تاريخ السودان. وقد ركزت كلماتُ المسؤولين على محورية “الدور المفقود” للصحافة؛ ذلك الدور الذي يتجاوز مجرد نقل الخبر إلى التوعية، والتحصين ضد الشائعات، ومجابهة ما يُعرف بإعلام “الفبركة” الذي تستخدمه المليشيات لتمزيق النسيج الاجتماعي. إن دعوةَ الوالي والوزير للصحفيين للاضطلاع بدورهم في محاربة خطاب الكراهية، تضع على عاتق المؤسسات الصحفية عبئاً وطنياً يتطلب ميثاق شرفٍ جديداً، يرتكز على الدقة، والتحري، والمسؤولية الوطنية.
ولا يمكن فصلُ هذه المعايدة عن التحديات الجسيمة التي تواجه قطاع الصحافة، بدءاً من دمار المطابع وصولاً إلى تحديات النشر الإلكتروني. ورغم بشارات إعادة تشغيل بعض المؤسسات وصيانة دار اتحاد الصحفيين، إلا أن الطريق نحو استعادة “هيبة الصحافة” لا يزال طويلاً. إن التحدي اليوم لا يتوقف عند إعادة تدوير المطابع فحسب، بل في كيفية خلق محتوى إعلامي يتناسب مع تحديات العصر؛ إعلام إلكتروني لا يكتفي بالسرعة، بل يلتزم بالمهنية والوعي الوطني، ليكون حائط صدٍ ضد المشاريع التي تستهدف تفتيت وحدة السودانيين.
لقد نجحت معايدة الصحفيين في أم درمان في تحويل “ألم الشتات” إلى “أمل البناء”. إن الصحافة السودانية، وهي تلملم جراحها، تثبت اليوم أنها ليست مجرد مهنة، بل هي ضمير أمة لا تغيب شمسه. لقد كان اللقاء رسالةً واضحةً بأن المرحلة القادمة تتطلب تكاتفاً بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الإعلامية، ليس فقط لإعادة بناء ما دمره الحرب، بل لإعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي تحميه الصحافة الحرة والمسؤولة. لقد عاد الصحفيون، وبيدهم قلمٌ لا يرتجف، وعينٌ لا تخطئ الحق، لتكون هذه المعايدة الشرارة الأولى لميلاد إعلام سوداني جديد، أكثر صلابةً وأعمق أثراً.
لجنة الأضاحي التركية بجامعة النيلين تختتم توزيع لحوم 56 عجلاً على 686 مستفيداً
اختتمت لجنة توزيع لحوم أضاحي الوقف التركي الأفريقي ومنظمة حسنة التركية الألمانية بجامعة ال…





