سودان ما بعد الحرب: قراءة في خطاب البرهان “المربك” وحكاية التحالفات الخفية
د.اسامه سيداحمد حسين

مقدمة:
حين يصبح الغموض فنّاً، والسياسة مرآة مشوّهة في خضم الأزمة السودانية الأكثر دموية منذ عقود، تقدّم الرئيس عبد الفتاح البرهان بمبادرة حوارية وصفها المراقبون بـ”المربكة وغير الواضحة”. خطاب تحدث فيه عن “أصحاب الوجعة” وعن رغبته في تشكيل “حكومة مدنية تدير السودان” – لكنه، كما سنرى، كان أقرب إلى قصيدة صوفية مبهمة منها إلى وثيقة سياسية واضحة. هذا المقال يحاول فك شيفرات ذلك الخطاب، كاشفاً الطبقات الثلاث التي تشكّل السياسة السودانية الفعلية: ما يُقال في العلن، ما يُفعل في الخفاء، ومن يقف خلف الستار.
أولاً: خطاب ” اصحاب الوجعة” – جمالية النص وسوداوية الواقع:
استخدم البرهان كلمة ” أصحاب الوجعة” كاستعارة مركزية، محوّلاً السياسة إلى أدب، والقضية الوطنية إلى جرح جماعي. لا شك أن السودان يوجع: حرب مدمرة، نزوح جماعي، مجاعة متربصة، وجروح لن تندمل بسهولة. لكن الخطاب لم يحدد مَن هم “أصحاب الوجعة” تحديداً، وهذا هو الإرباك الأول: هل هم القوى المدنية التقليدية؟ لجان المقاومة الشعبية؟ قادة الدعم السريع الذين دمّروا البلاد؟ أم ضحايا تلك الحرب أنفسهم؟ الغموض هنا ليس عفوياً، بل هو استراتيجية متعمدة: التحدث إلى الجميع كي لا يغضب أحد، وإرضاء لا أحد في النهاية.
ثانياً: استقبال قادة الدعم السريع – “الحضن الدافئ” دون اعتذار:
أكثر ما أثار الانتباه في الممارسة الفعلية (بعيداً عن الخطاب) هو استقبال قادة الدعم السريع العائدين إلى “حضن الوطن” بدون أي اعتذار للشعب السوداني الذي ذاق الويلات بسببهم. هذه العودة تمت بصمت مطبق، كما لو أن الجرائم التي ارتكبت (من نهب للمدن، قتل للمدنيين، انتهاك للحرمات) قد شملتها “عفواً شاملاً” غير معلن. هذا الصمت يعني أن العدالة الانتقالية في السودان لم تعد مطروحة، وأن المصالحة الحقيقية استُبدلت بتجميع الصف بأي ثمن.
البرهان يريد جيشاً موحداً، حتى لو كان على حساب كرامة الضحايا. وهو يريد إنهاء الحرب، حتى لو كان الثمن هو غض الطرف عن الدماء.
ثالثاً: تحت الطاولة – التفاوض السري مع الخارج:
بينما كان السودانيون ينتظرون حواراً وطنياً شفافاً، كانت طاولة أخرى تعمل في الخفاء: طاولة المفاوضات مع أمريكا، مصر، السعودية، والإمارات عبر وسطاء. ما تم الاتفاق عليه هناك لا يعرفه أحد، لكن آثاره بدأت تظهر:
١/ دعم أمريكي (مشروط) لأي حل ينهي الحرب، حتى لو كان الجيش طرفاً أساسياً في الحكم.
٢/ تنسيق مصري – سعودي يريد استقراراً حدودياً، بغض النظر عن طبيعة النظام.
٣/ تواجد إماراتي يحاول حماية مصالحه الاقتصادية في السودان واحتكار ثرواته.
الشعب السوداني ظل خارج الحلقة، ولم يُخطر بنتائج تلك المفاوضات إلا من خلال البيانات الجاهزة والشاشات المغلقة. وهذا هو “الازدراء” بعينه.
رابعاً: المليشيات التي قاتلت إلى جانب الجيش – شركاء يريدون نصيبهم من الدم:
ثم هناك من قاتلوا بالفعل: “درع السودان”، “البراء بن مالك”، حركات دارفور المسلحة المتحالفة مع الجيش (حركة مناوي، حركة جبريل إبراهيم)، والمستنفرون من الشباب والقبائل. هؤلاء يرفعون سقف مطالبهم عالياً: “نحن من دفع الثمن، ولنا النصيب الأكبر”.
موقفهم من خطاب البرهان هو مزيج من الغضب المكبوت والانقسام الخفي:
*المتشددون يريدون استمرار الحرب حتى القضاء على الدعم السريع، ثم حكم عسكري مدعوم بالمليشيات.
* البراغماتيون يقبلون بحكومة مدنية شكلية، مع بقاء القرار الحقيقي في “المجلس الأعلى للأمن” العسكري – المليشياوي.
*المنهارون بدأوا يشكون في أن البرهان قد يتخلى عنهم لصالح اتفاق مع الدعم السريع والخارج، ويفكرون في تأمين أنفسهم ذاتياً.
هذه القوى تشعر أن خطاب “الحكومة المدنية” هو خيانة لدمائها، بينما ترى أن استقبال قادة الدعم السريع (حتى ولو كان سراً) هو صفعة في وجه تاريخها النضالي.
خامساً: صورة نهائية – بين الحلم المدني والواقع العسكري:
إذا جمعنا كل هذه الخيوط، نرى الصورة الكاملة:
البرهان يتحدث عن “حكومة مدنية” لكنه:
· يحتضن قادة الدعم السريع (أعداء الأمس) دون اعتذار.
· يفاوض تحت الطاولة مع الخارج، متجاوزاً إرادة شعبه.
· يترك حلفاءه من المليشيات يتخبطون بين الغضب والانهيار.
في النهاية، ما سيخرج من هذه العملية ليس حكومة مدنية حقيقية، بل هجين عسكري – مليشياوي يلبس عباءة مدنية رثة، يديرها مجلس خلفي لا يعلن عن نفسه، ويُبلّغ الشعب بالنتائج الجاهزة.
خلاصة سياسية:
السودان اليوم ليس بحاجة إلى خطابات جميلة ولا إلى غموض استراتيجي. السودان بحاجة إلى:
1. شفافية كاملة: يعرف فيها الشعب من يتفاوض؟ ، و علي ماذا يتفاوض؟ ، ولصالح من ؟
2. عدالة حقيقية: يعتذر فيها المجرمون، ويجبر كسر المجني عليهم، والتعويض للمتضررين ، ويُعاقب المعتدون، وتُصان كرامة الضحايا.
3. حوار وطني صريح: ليس مع “أصحاب الوجعة” المجهولين، بل مع كل السودانيين، على طاولة واحدة، تحت ضوء واحد..
أما إذا بقي الخطاب “مربكاً”، والتحالفات “سرية”، والمليشيات “غاضبة”، فلا تتوقعوا سوى سودان يُدير أزمته لتأبيد حكم العسكر، لا لحلها.
وهذا – يا سادة – هو أعمق “وجعة” على الإطلاق.
والله من وراء القصد.
لجنة الأضاحي التركية بجامعة النيلين تختتم توزيع لحوم 56 عجلاً على 686 مستفيداً
اختتمت لجنة توزيع لحوم أضاحي الوقف التركي الأفريقي ومنظمة حسنة التركية الألمانية بجامعة ال…





