من عبرة عيد التضحية والفداء متى تصحو الأمة من حالة العجز الي صناعة المجد ؟
بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب

يأتي عيد الأضحى كل عام حاملاً معاني الفداء والتضحية والطاعة والصبر والثبات على المبدأ .
وليس من قبيل المصادفة أن ترتبط أعظم شعائره بقصة نبيٍّ قدّم الاستعداد للتضحية بأعز ما يملك امتثالاً لأمر الله ، لتصبح تلك القصة رمزاً خالداً لانتصار الإرادة والإيمان على الخوف والتردد وحب الدنيا .
ومن هنا يبرز السؤال الكبير وهو كيف يمكن لأمة تمتلك هذا الرصيد الروحي والحضاري الهائل أن تنتقل من حالة الانكسار والانبطاح إلى استعادة عناصر القوة وشروط النصر ؟
ومتى تتحرر إرادتها لتعود فاعلاً في صناعة التاريخ بدلاً من أن تكون موضوعاً له ؟
إن الأزمة الحقيقية ليست في قلة الموارد ولا في ضعف الإمكانات ، فالأمة تملك الثروة البشرية والموقع الجغرافي والموارد الطبيعية والتراث الحضاري .
وإنما تكمن الأزمة أولاً في الإرادة ؛ في إرادة التحرر من التبعية الفكرية والسياسية والاقتصادية ، وفي القدرة على الانتقال من ثقافة الشكوى إلى ثقافة الفعل والبناء .
فالأمم لا تنهض بالأماني ولا بالشعارات ، وإنما تنهض حين تستعيد ثقتها بنفسها ، وتؤمن برسالتها ، وتبني مشروعها الحضاري المستقل .
وما من أمة حققت نهضة حقيقية إلا بعد أن امتلكت قرارها الوطني ، ووضعت مصالحها العليا فوق الحسابات الضيقة والانقسامات الصغيرة .
كما أن النصر ليس حدثاً عسكرياً مجرداً ، بل هو حصيلة منظومة متكاملة من الإيمان والعلم والعمل والتنظيم والوحدة والعدل .
وقد علّمنا القرآن الكريم أن التمكين له شروطه من الإعداد ، والصبر ، والثبات ، وإقامة القيم التي تجعل المجتمع متماسكاً وقادراً على مواجهة التحديات .
إن الأمة تتحرر يوم تدرك أن الاعتماد على الآخرين لا يصنع مجداً ، وأن استيراد الحلول لا يغني عن بناء القدرات الذاتية .
وتتحرر يوم تنتقل من الاستهلاك إلى الإنتاج ، ومن التفرق إلى الوحدة ، ومن ردود الأفعال إلى امتلاك المبادرة والرؤية .
وتعود إلى الفعل عندما تتصالح مع سنن التاريخ ؛ فالتغيير يبدأ من الإنسان ، ومن إصلاح العقل والوجدان والمؤسسات .
وعندما تدرك النخب الفكرية والسياسية أن معارك الهوية والنهضة والتحرر لا تُحسم بالخطب وحدها ، وإنما بالمشروعات العملية التي تحول الأفكار إلى واقع .
ولعل من أعمق الدروس التي يحملها عيد الأضحى أن الأضحية ليست ذبحاً للأنعام فحسب ، وإنما هي دعوة دائمة إلى ذبح الخوف والأنانية والتبعية والعجز داخل النفس الإنسانية .
فلكل جيل ” إسماعيله ” الذي يُطلب منه أن يقدمه قرباناً للحق ؛ قد يكون مصلحة ضيقة ، أو شهوة سلطة ، أو خوفاً من مواجهة التحديات ، أو استسلاماً لواقع الفشل والانقسام .
كما أن تاريخ الأمم يعلمنا أن الكرامة لا تُمنح وإنما تُنتزع ، وأن الشعوب التي ترفض الذلة وتتمسك بحقها في الحرية والسيادة تمتلك القدرة على صناعة مستقبلها مهما بلغت التضحيات .
فالتاريخ لم تصنعه الأمم التي بحثت عن السلامة في كل حين ، وإنما صنعته الأمم التي آمنت بقضاياها واستعدت لدفع أثمانها .
وليس المقصود بالتضحية تمجيد الألم لذاته ، وإنما تحويل الفداء إلى طاقة للبناء والتحرير والنهوض .
فالحياة العزيزة لا تنالها الأمم التي تخشى التضحيات ، والنهضة لا تتحقق إلا عندما يتحول الإيمان بالمبادئ إلى استعداد للبذل والعمل والصبر والمثابرة .
ومن هنا فإن عيد الأضحى يذكر الأمة كل عام بأن النصر يبدأ من تحرير الإرادة ، وأن أكبر الأوثان التي ينبغي تحطيمها ليست تلك المصنوعة من الحجر ، وإنما أوثان الخوف والتبعية واليأس والعجز .
فإذا تحررت الإرادة انطلقت الطاقات ، وإذا انطلقت الطاقات استعادت الأمة قدرتها على الفعل والتأثير وصناعة التاريخ .
إن الانتقال من حالة الانبطاح إلى حالة النهوض لا يبدأ من تغيير موازين القوى الخارجية بقدر ما يبدأ من تغيير ما بالنفوس والعقول .
فالأمم التي تريد استعادة مكانتها مطالبة بأن تضحي بالفرقة من أجل الوحدة ، وبالمصالح الصغيرة من أجل المشروع الكبير ، وبالارتهان للآخرين من أجل الاستقلال والاعتماد على الذات .
وفي هذا العيد المبارك ، ربما يكون الدرس الأهم من شعيرة الأضحية أن كل نهوض عظيم يسبقه قدر من البذل والتضحية .
فلا حرية بلا ثمن ، ولا استقلال بلا تضحيات ، ولا نهضة بلا رجال ونساء يقدمون المصلحة العامة على المصالح الشخصية .
وعندما تستعيد الأمة معنى الفداء في أبعاده الحضارية الواسعة ؛ فداء الأنانية بالمصلحة العامة ، وفداء الفرقة بالوحدة ، وفداء التبعية بالاستقلال ، وفداء العجز بالإرادة ؛ عندها فقط تبدأ رحلة الخروج من زمن الانكسار إلى زمن الفعل .
وعندها يصبح عيد الأضحى أكثر من مناسبة دينية متجددة ، ليغدو نداءً سنوياً للأمة كلها بأن طريق النصر يبدأ من تحرير الإرادة ، وأن استعادة القوة ليست حلماً مستحيلاً ، بل نتيجة طبيعية لأمة تعرف من تكون ، وماذا تريد، وإلى أين تمضي .
فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وتلك هي نقطة البداية ، ومنها يبدأ الطريق إلى النهوض والتمكين واستئناف الشهود الحضاري من جديد .
إن الفداء الذي بدأ مع إبراهيم الخليل ، وتجدد في مسيرة الأنبياء والمصلحين والمجاهدين عبر التاريخ ، يظل هو الجسر الذي تعبر عليه الأمم من التبعية إلى الحرية ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن الهامش إلى مركز الفعل والتأثير .
وما أحوج أمتنا اليوم ، وهي تواجه تحديات غير مسبوقة ، إلى أن تستعيد هذا المعنى العميق للتضحية ؛ لا باعتبارها ذكرى من الماضي ، بل باعتبارها مشروعاً للمستقبل ، وطريقاً لاستعادة الإرادة ، وبناء النهضة ، وصناعة النصر والمجد والتاريخ .
سفارة السودان بالقاهرة تكشف ملابسات وفاة مواطن داخل مقرها أثناء استكمال إجراءات الترحيل
أصدرت سفارة جمهورية السودان لدى جمهورية مصر العربية، اليوم الإثنين بياناً توضيحياً كشفت في…





