‫الرئيسية‬ مقالات حياد الدولة وحياد القيم قراءة نقدية لمقال حنان حسن حول العلمانية والدولة في السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

حياد الدولة وحياد القيم قراءة نقدية لمقال حنان حسن حول العلمانية والدولة في السودان

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

اطلعتُ على مقالٍ للأستاذة حنان حسن بعنوان: «العلمانية في السياق السوداني: بين التشويه وسوء الفهم وضرورة الدولة الحيادية»، وقد حاولت فيه الكاتبة تقديم العلمانية باعتبارها مشروعًا للحياد وحماية التنوع ومنع استغلال الدين في السياسة.

ولا شك أن قضية العلاقة بين الدين والدولة من القضايا الفكرية والسياسية المهمة في العصر الحديث، وتحتاج إلى حوار علمي هادئ غير أن المقال تضمّن جملةً من الإشكالات الفكرية والمنهجية، أبرزها تصوير العلمانية وكأنها الحل الوحيد لأزمات السودان، وربط الفشل السياسي مباشرةً بالشريعة أو بالحكم ذي المرجعية الإسلامية، مع التغاضي عن تجارب علمانية وديمقراطية مارست القمع والاستبداد والقتل بأبشع صوره.

 

*أولًا: هل العلمانية حياد حقيقي أم انحياز فكري؟*

 

تُقدَّم العلمانية دائمًا بوصفها “حياد الدولة تجاه الأديان”، لكن السؤال الجوهري: *هل توجد دولة بلا مرجعية فكرية أو قيمية؟*

 

الحقيقة أن الدولة العلمانية ليست دولة بلا مرجعية، وإنما تنقل المرجعية من الوحي الإلهي إلى الإنسان والفلسفات الوضعية، وتجعل العقل البشري والتصورات المتغيرة مصدرًا نهائيًا للتشريع والتنظيم. ولهذا فالعلمانية ليست مجرد “إدارة محايدة” كما يُصوَّر أحيانًا، بل هي رؤية فلسفية للحياة نشأت في أوروبا في سياق تاريخي خاص، نتيجة الصراع بين الكنيسة المحرّفة والسلطة السياسية، ثم جرى تعميم هذه التجربة على مجتمعات تختلف جذريًا عن الواقع الأوروبي، ومنها المجتمعات الإسلامية.

ومن المفارقات أن كثيرًا من الدول التي تُقدَّم بوصفها نماذج للعلمانية لا تزال ترتبط رمزيًا أو دستوريًا بالمؤسسات الدينية. فملك بريطانيا – على سبيل المثال – يُتوَّج وفق طقوس كنسية داخل الكنيسة الأنجليكانية، ويحمل صفة “حامي الإيمان”، كما أن الحياة السياسية في الولايات المتحدة لا تنفصل تمامًا عن الخطاب الديني؛ فقد شاهد العالم مراسم تنصيب الرؤساء الأمريكيين وهم يؤدون القسم على الإنجيل، كما أن العملة الأمريكية نفسها تحمل العبارة الشهيرة: “In God We Trust” أي: “نحن نثق بالله”.

فإذا كانت هذه المجتمعات لا ترى تناقضًا بين هويتها الدينية وبعض مظاهر حضور الدين في المجال العام، فلماذا يُستنكر على الشعوب الإسلامية أن تجعل الشريعة الإسلامية مرجعيتها القيمية والتشريعية، وهي التي تؤمن بها عقيدةً وثقافةً وهويةً؟

ثم إن الإسلام يختلف جذريًا عن التجربة الكنسية الأوروبية؛ فالإسلام لم يعرف في تاريخه سلطة كهنوتية تحتكر الغفران أو تزعم الحديث باسم الله أو تبيع صكوك النجاة كما وقع في أوروبا القرون الوسطى. ولذلك فإن إسقاط التجربة الغربية بحمولتها التاريخية على الواقع الإسلامي يُعد خللًا تاريخيًا ومنهجيًا، لأن المشكلة في أوروبا كانت مع تسلط الكنيسة وتحريف الدين، لا مع أصل الإيمان بالله أو حضور الدين في حياة الناس.

 

*ثانيًا: الإسلام دين شامل لا يُختزل في الطقوس*

 

يحاول الخطاب العلماني حصر الدين في الجانب الفردي والروحي فقط، بينما الإسلام جاء بمنهج شامل ينظم علاقة الإنسان بربه وبالمجتمع وبالدولة.

 

قال الله تعالى:﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40].وقال سبحانه:﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49].وقال جل وعلا:﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].وقال النبي ﷺ:«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء»رواه البخاري ومسلم.

 

فهذه النصوص وغيرها تدل على أن الإسلام لم يكن مجرد علاقة روحية معزولة عن حياة الناس، بل جاء بمنهج يحقق العدل ويحفظ الحقوق وينظم المجتمع.

 

ولهذا فإن مطالبة المسلمين بفصل الدين عن الدولة تعني عمليًا مطالبتهم بإقصاء جزء أصيل من شريعتهم وعقيدتهم.

 

*ثالثًا: الخلط بين أخطاء الإسلاميين وصلاحية الشريعة*

 

ركز المقال على أن “الحكم باسم الدين” أدى إلى الحروب والقمع والانقسام، وكأن المشكلة في الإسلام نفسه أو في الشريعة ذاتها.

وهذا خلط غير منصف؛ فالواجب التفريق بين: الإسلام كنصوص ومبادئ،وبين التجارب السياسية البشرية التي قد تصيب وقد تخطئ.

فلو أخطأ من رفع شعار الإسلام، فهذا لا يعني فساد الإسلام نفسه، وإنما الواجب تحميل الخطأ لمن وقع فيه؛ لأن قيم الإسلام ومبادئه ثابتة لا تتغير، قائمة على العدل والرحمة وحفظ الحقوق. قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].

وقال سبحانه:﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

وفي المقابل يتجاهل بعض الناس فساد كثير من الأنظمة الديمقراطية والعلمانية، فلا يحمّلون الديمقراطية أو العلمانية مسؤولية ما وقع باسمها من:

١. الاستعمار الأوروبي،

٢. والحربين العالميتين،

٣. والنازية والفاشية،

٤. والمجازر الاستعمارية،

٥. والانقلابات المدعومة غربيًا،

٦. ودعم الأنظمة القمعية والاستبدادية.

ولهذا فإن النقد المنصف لا ينبغي أن يتجه إلى الإسلام نفسه أو إلى الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد وحفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض، وإنما ينبغي أن يتجه إلى الاستبداد والفساد وسوء التطبيق، أيًا كان الشعار الذي يُرفع أو النظام الذي يُحكم باسمه.

 

*رابعًا: التجارب الديمقراطية والعلمانية ليست بريئة من القمع*

 

يحاول الخطاب العلماني تصوير الأنظمة العلمانية والديمقراطية وكأنها نماذج مثالية للحرية والعدالة، بينما الواقع والتاريخ يقولان غير ذلك.

 

*فرنسا والاستعمار الدموي*

فرنسا التي تُعد من أكثر الدول تمسكًا بالعلمانية ارتكبت مجازر هائلة في الجزائر راح ضحيتها أكثر من مليون مسلم، ومارست القمع الوحشي والتعذيب باسم “التحضر” و”الجمهورية”.

 

*الولايات المتحدة والديمقراطية الانتقائية*

الولايات المتحدة – وهي أكبر دولة ديمقراطية – دعمت عبر تاريخها أنظمة استبدادية وانقلابات عسكرية في دول كثيرة حفاظًا على مصالحها السياسية.

كما ارتكبت جرائم كبرى:

١. في فيتنام،

٢. والعراق،

٣. وأفغانستان،

٤. وسجن غوانتانامو،

٥. ودعم الاحتلال الصهيوني رغم ما يقع من قتل وتهجير.

*فهل الديمقراطية منعت الظلم هنا؟*

 

*الاتحاد السوفيتي والعلمانية القمعية*

الاتحاد السوفيتي رفع شعار الدولة العلمانية، لكنه مارس:

١. قمع الدين،

٢. وإغلاق المساجد،

٣. وقتل الملايين،

٤. وسحق الحريات.

 

*تركيا الكمالية*

في بدايات الحكم الكمالي فُرضت العلمانية بالقوة:

١. مُنع الأذان بالعربية،

٢. وأُغلقت المدارس الشرعية،

٣. وحوربت المظاهر الإسلامية،

٤. وفُرض نمط ثقافي بالقوة باسم الحداثة.

*فأين “الحياد” الذي يُتحدث عنه؟*

 

*خامسًا: التجربة الإسلامية التاريخية وحماية التعدد*

 

رغم الأخطاء البشرية التي وقعت في بعض عصور المسلمين، فإن التاريخ الإسلامي شهد نماذج عظيمة في العدل والتسامح وحفظ الحقوق.

 

*عمر بن الخطاب رضي الله عنه*

لما دخل القدس أعطى أهلها العهدة العمرية التي ضمنت:

١. حماية الكنائس،

٢. وعدم الإكراه على الدين،

٣. وحفظ الحقوق.

 

*الأندلس الإسلامية*

عاش اليهود والنصارى قرونًا تحت الحكم الإسلامي محتفظين بدياناتهم ومؤسساتهم، بينما كانتؤ أوروبا في ذلك الوقت تمارس محاكم التفتيش والاضطهاد الديني.

 

*صلاح الدين الأيوبي*

لما فتح القدس لم يرتكب مذابح انتقامية كما فعل الصليبيون عند احتلالهم لها، بل أعطى الناس الأمان وعفا عن كثير منهم.

وهذا التطبيق العملي لقوله تعالى:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8].

 

*سادسًا: من يحدد “القانون المدني العادل”؟*

 

تقول الكاتبة إن المطلوب “قانون مدني عادل”، لكن يبقى السؤال *:من الذي يحدد معنى العدل؟*

 

في الإسلام:العدل مرتبط بالوحي والقيم الثابتة.أما في النظم الوضعية فالقوانين تتغير بحسب:

١. الضغوط السياسية

٢. والمصالح،

٣. والتحولات الفكرية،

٤. وهيمنة القوى الثقافية.

ولهذا نرى قوانين كانت تُعتبر ثابتة قبل عقود أصبحت اليوم تُعد “رجعية”، والعكس صحيح.

فالقانون الوضعي ليس محايدًا كما يُصوَّر، بل تحكمه الفلسفات السائدة والقوى المؤثرة.

 

*سابعًا: السودان لا يحتاج إلى إقصاء الدين بل إلى إصلاح* السياسة

السودان لم يفشل بسبب الإسلام، وإنما فشل بسبب:

١. الاستبداد،

٢. والصراع الحزبي،

٣. والفساد،

٤. وسوء الإدارة،

٥. واستغلال الشعارات الدينية والسياسية معًا.

 

والحل ليس في إقصاء الدين عن الحياة العامة، وإنما في:

١. إقامة العدل،

٢. وترسيخ الشورى،

٣. واحترام الحقوق،

٤. وبناء دولة مؤسسات.

فالدين في المجتمع السوداني ليس عنصرًا طارئًا يمكن تجاوزه، بل هو جزء من هوية الناس وثقافتهم وقيمهم.

 

*ختامًا* فالواجب عند نقد تجربة الإنقاذ أن يُركَّز على نقد الأخطاء والممارسات البشرية والسياسات التي وقعت فيها، لا أن تُنسب تلك الأخطاء إلى الإسلام نفسه أو إلى الشريعة الإسلامية؛ لأن الإسلام دينٌ معصوم، أما التجارب السياسية فهي اجتهادات بشرية تصيب وتخطئ. كما أن الواجب عند وقوع الخطأ هو الدعوة إلى إصلاح التجربة وتقويمها بما يوافق أحكام الإسلام ومقاصده، لا الدعوة إلى إلغاء الشريعة أو تحميل الدين تبعات أخطاء البشر.قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

والشعب السوداني في غالبيته شعب مسلم، يرتبط بدينه وقيمه الإسلامية ارتباطًا عميقًا، ولذلك لم يكن من المقبول عند كثير من الناس أن تُطرح العلمانية باعتبارها البديل الذي يُقصي الشريعة أو يُهمِّشها من حياة المجتمع والدولة.

وقد شهد التاريخ السياسي السوداني كيف رُفع شعار إلغاء قوانين سبتمبر في فترة الديمقراطية الثانية داخل البرلمان، وهي القوانين التي استندت إلى الشريعة الإسلامية في عهد الرئيس جعفر نميري، إلا أن تلك المحاولات واجهت رفضًا واسعًا، ولم تستطع الأحزاب تمريرها بالصورة التي أرادتها، وبقي حضور الشريعة حاضرًا في وجدان المجتمع السوداني. كما حاولت حكومة حمدوك إجراء تغييرات واسعة في بعض التشريعات ذات الصلة بالهوية الإسلامية، غير أن التجربة نفسها انتهت سياسيًا قبل أن تحقق مشروعها الكامل، مما يعكس حساسية المجتمع السوداني تجاه أي مشروع يشعر الناس أنه يصادم هويتهم الدينية.

أما تصوير العلمانية وكأنها طريق الخلاص الوحيد، أو تصوير الشريعة وكأنها أصل كل أزمة، فهو طرح يفتقر إلى الإنصاف والقراءة التاريخية المتوازنة؛.

والسودان اليوم أحوج ما يكون إلى مشروع وطني عادل ومتوازن، يحفظ:

١. دين الناس وهويتهم الإسلامية،

٢. ووحدة المجتمع وتماسكه،

٣. وحقوق المواطنين وحرياتهم المشروعة وفق الانظمة المرعية والقيم الاسلامية

٤. نبذة العنصرية والجهوية

فالمشكلة الحقيقية ليست في الإسلام، وإنما في الاتي:

١. سوء التطبيق،

٢. وغياب العدل،

٣. وضعف المؤسسات،

٤. واستغلال الشعارات السياسية لتحقيق المصالح

٥. والصراعات الحزبية.

‫شاهد أيضًا‬

إنها بندقية السودان… وكفى

ليس أخطر على الأوطان من أولئك الذين يحاولون تزوير طبيعة المعارك الكبرى، وإلباسها أثواباً غ…