حين يتحدث النيل بلغة التاريخ… مصر والسودان وطنان جمعتهما الحضارة ووحّدتهما المحن
حديث الساعة الهام سالم منصور

ليست كل العلاقات بين الدول تُقاس باتفاقيات السياسة، ولا تُختزل في المصالح الاقتصادية أو تبدلات المواقف الدبلوماسية، فهناك علاقات ولدت قبل الخرائط، وصاغتها الجغرافيا، وباركها التاريخ، وجعل منها القدر وحدة مصير لا تنفصم عراها. ومن بين هذه العلاقات، تبقى العلاقة بين جمهورية مصر العربية وجمهورية السودان واحدة من أعمق الروابط الإنسانية والحضارية في القارة الأفريقية.
فالنيل الذي شق طريقه من قلب أفريقيا نحو البحر المتوسط، لم يحمل المياه وحدها، بل حمل معه حضارات، وثقافات، وقيمًا، وأجيالًا آمنت بأن هذا الوادي العظيم ليس مجرد مجرى مائي، وإنما وطن كبير تتقاسم شعوبه الهموم والآمال والأحلام.
لقد كانت مصر، عبر آلاف السنين، منارة للحضارة الإنسانية، ومهدًا للعلم والمعرفة، وعاصمة للفكر العربي والأفريقي، بينما ظل السودان امتدادها الطبيعي في عمق القارة، بثرواته الهائلة، وإنسانه الكريم، وتاريخه الضارب في جذور الحضارات النوبية والكوشية التي أسهمت في تشكيل هوية وادي النيل.
ولم يكن الدور المصري تجاه أفريقيا دورًا موسميًا أو مرتبطًا بظرف سياسي عابر، بل ظل حاضرًا في دعم حركات التحرر الوطني، والمساهمة في بناء المؤسسات الأفريقية، وفتح الجامعات المصرية أمام آلاف الطلاب من مختلف الدول الأفريقية، إلى جانب التعاون في مجالات الصحة والزراعة والطاقة والبنية التحتية، إدراكًا منها بأن نهضة أفريقيا تبدأ من تعاون أبنائها، لا من وصاية الآخرين عليها.
أما السودان، فقد ظل بالنسبة لمصر أكثر من دولة جارة؛ فهو عمقها الاستراتيجي، وشريكها في الأمن المائي، وجزء من معادلة الاستقرار في الإقليم. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتابع القاهرة تطورات الأزمة السودانية بقدر كبير من الاهتمام، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن السودان جزء من أمنها القومي، وأن استقرار الخرطوم ينعكس على استقرار المنطقة بأسرها.
وفي أصعب اللحظات التي عاشها السودان خلال سنوات الحرب، حين ضاقت الأرض بأهلها، واشتدت معاناة المدنيين، كانت مصر من أوائل الدول التي فتحت أبوابها لاستقبال السودانيين، واحتضنت الأسر والأطفال والمرضى والطلاب، وقدمت ما استطاعت من دعم إنساني وخدمات صحية وتعليمية، في موقف سيظل محفورًا في ذاكرة الشعب السوداني.
ولأن العلاقات بين الشعوب لا تُقاس بالأرقام، فقد جسد الشعب المصري أروع صور التكافل، حين تعامل مع السودانيين باعتبارهم إخوة تجمعهم روابط التاريخ والنسب والجوار، لا مجرد لاجئين فرضتهم ظروف الحرب. تلك المواقف الإنسانية لا تصنعها السياسة وحدها، وإنما تصنعها الأخلاق وعمق الانتماء لوادي النيل.
كما واصلت القاهرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية، داعية إلى الحفاظ على وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، وإلى تغليب لغة الحوار، ورفض كل ما من شأنه أن يقود إلى تقسيم البلاد أو إطالة أمد الصراع. فاستقرار السودان ليس مكسبًا للسودانيين وحدهم، بل هو ركيزة لاستقرار الإقليم بأسره.
إن المستقبل يفرض على الخرطوم والقاهرة أن تنتقلا من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل، عبر شراكات اقتصادية واستثمارية كبرى، ومشروعات زراعية وصناعية مشتركة، وتكامل في مجالات النقل والطاقة والتجارة والتعليم، بما يحقق التنمية المستدامة ويعزز مكانة البلدين داخل القارة الأفريقية.
وأفريقيا اليوم تقف أمام منعطف تاريخي؛ فهي قارة تمتلك أكبر الثروات الطبيعية، وأصغر متوسط أعمار سكانية، وأوسع الفرص الاستثمارية، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية موحدة، ورؤية تقوم على التكامل لا التنافس، وعلى بناء الجسور لا تشييد الحواجز. وهنا يبرز الدور الذي يمكن أن تضطلع به مصر والسودان معًا في قيادة مشروعات تنموية تعيد للقارة مكانتها المستحقة.
إن التاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تموت ما دامت قادرة على صناعة المستقبل، وأن الأمم العظيمة هي التي تحوّل المحن إلى فرص، والخلافات إلى جسور للحوار، والأزمات إلى بدايات جديدة.
وقفة وفاء…
من الإنصاف أن تُذكر المواقف النبيلة في زمن عزّت فيه المواقف. فالشعب السوداني، وهو يمر بواحدة من أصعب محطاته، لن ينسى كل يد امتدت إليه بالعون، ولن ينسى أن مصر بقيت حاضرة في المشهد الإنساني والسياسي، تؤكد أن ما يجمع البلدين أكبر من حدود الجغرافيا وأعمق من حسابات السياسة.
سيبقى النيل شاهدًا على أن مصر والسودان ليسا بلدين متجاورين فحسب، بل قلبان ينبضان في جسد واحد، وأن المستقبل الآمن لوادي النيل لا يُبنى إلا بالتعاون، والاحترام المتبادل، وصيانة السيادة الوطنية، وترسيخ السلام والتنمية.
فإذا كانت الحضارة قد جمعت الشعبين بالأمس، فإن تحديات اليوم تدعوهما إلى كتابة فصل جديد من الشراكة، عنوانه وحدة المصير… وقوة الجوار… ومستقبل تصنعه إرادة شعبين لا يعرفان إلا الوفاء.
ألخميس ٣٠يولية٢٠٢٦
لجنة الأمل تُفوِّج 100 طالب من القاهرة بدعم شركة النيلين للتأمين
فوجت لجنة الأمل للعودة الطوعية، اليوم، من منطقة عابدين بالقاهرة، 100 طالب وطالبة إلى السود…





