‫الرئيسية‬ مقالات إنها بندقية السودان… وكفى
مقالات - ‫‫‫‏‫22 ثانية مضت‬

إنها بندقية السودان… وكفى

محمد زياده الطيب

ليس أخطر على الأوطان من أولئك الذين يحاولون تزوير طبيعة المعارك الكبرى، وإلباسها أثواباً غير أثوابها، وصرف الأنظار عن حقيقتها الناصعة. فحين يخوض شعبٌ معركةً للدفاع عن دولته وسيادته وكرامته، يخرج من بين أنقاض الأزمة من يحاول اختزال المشهد كله في خصومة سياسية ضيقة، أو تصفية حسابات أيديولوجية قاصرة عن استيعاب طبيعة المعركة، وكأن الأوطان تُحمى بالشعارات، أو تُسترد بالجدل العقيم.

 

لقد كشفت معركة الكرامة زيف كثير من الادعاءات، وأسقطت أقنعة طالما احتمت خلف الخطابات المضللة. فبينما هبَّ أبناء السودان من مختلف الاتجاهات والانتماءات استجابةً لنداء الاستنفار والتعبئة العامة دفاعاً عن وطنهم، انشغلت المليشيا المتمردة وأبواقها بمحاولة تشويه هذا المشهد الوطني الفريد، لأنها تدرك أن التحام الشعب بجيشه هو بداية سقوط مشروع الفوضى ونهاية رهانات التمرد.

 

وما يثير الدهشة حقاً أن الجهة التي تضيق ذرعاً باستنفار الشباب السوداني للدفاع عن وطنه، لم تجد حرجاً في الاستقواء بمرتزقة جُمِعوا من شتى أصقاع الأرض لخوض حربها ضد الدولة السودانية. فكيف يصبح حمل السوداني للسلاح دفاعاً عن أرضه وعرضه وسيادة دولته موضع اتهام، بينما يُراد للمرتزق الذي جاء من وراء الحدود أن يُقدَّم باعتباره أمراً طبيعياً ومشروعاً؟ وكيف يُستنكر أن يهب أبناء الوطن لحماية وطنهم، بينما يُبرَّر استدعاء من لا تربطهم بالسودان أرض ولا تاريخ ولا هوية؟

 

هنا تتجلى المفارقة الأخلاقية والسياسية بأبشع صورها؛ فالمليشيا التي حشدت المرتزقة من شتى أصقاع الأرض، واستقوت بكل من جعل من البندقية سلعة ومن الدم تجارة، تريد اليوم أن تُجرِّم استجابة الشباب السوداني لنداء الوطن. فبأي منطق يُلام أبناء السودان لأنهم هبّوا للدفاع عن أرضهم وأهلهم، بينما يُغض الطرف عن الجرائم والانتهاكات التي ارتبطت بالحرب، وما صاحبها من قتل وترويع للآمنين ونهب للممتلكات وانتهاك للحرمات وتشريد للأسر من ديارها؟ وكيف يُراد للوطن أن يعتذر عن أبنائه الذين حملوا السلاح دفاعاً عنه، بينما يُمنح الغريب الذي جاء ليقاتل في أرض ليست أرضه مسوغات التبرير والتسويغ؟

 

لقد خرج السيد القائد العام للقوات المسلحة بنداء الاستنفار والتعبئة العامة، لا ليحشد حزباً ضد حزب، ولا تياراً ضد تيار، وإنما ليستنهض أمةً بأكملها في مواجهة خطر يستهدف وجود الدولة نفسها. كان نداءً للوطن قبل أن يكون نداءً للسلاح، ونداءً للكرامة قبل أن يكون نداءً للقتال.

 

ولهذا لبّى أبناء السودان النداء، لا تحركهم رايات الأحزاب، وإنما تحركهم راية السودان. فجاءت جموع الشباب لتعلن أن الوطن أكبر من الخلافات السياسية، وأعظم من الحسابات الضيقة، وأن ساعة الدفاع عن البلاد هي ساعة تتقدم فيها راية الوطن على ما سواها.

 

إن معركة الكرامة ليست معركة أيديولوجيات متصارعة، ولا ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وإنما هي معركة بين الدولة والفوضى، بين الشرعية والتمرد، بين مشروع وطني يسعى إلى حماية السودان والحفاظ على وحدته، ومشروع آخر جرَّ على البلاد ويلات الحرب والخراب والانقسام.

 

فلا توجد بندقية إسلامية وأخرى شيوعية، ولا بندقية شرقية وأخرى غربية، ولا بندقية لقبيلة دون أخرى. إنها بندقية سودانية واحدة، يحملها أبناء السودان دفاعاً عن أرضهم وسيادتهم وكرامتهم الوطنية. إنها بندقية الوطن، لا بندقية الحزب، وبندقية الدولة، لا بندقية الفئة.

 

وفي مواكب الشهداء الذين ارتقوا في ميادين العزة والفداء، لم تُكتب على القبور الانتماءات السياسية، ولم تُسأل الأرواح عن اتجاهاتها الفكرية، بل ارتفعت جميعها إلى بارئها وقد قدّمت أرواحها فداءً للسودان. هناك تسقط التصنيفات الضيقة، وتتلاشى الفوارق المصطنعة، ويبقى اسم واحد يعلو فوق كل الأسماء: شهيد السودان.

 

لقد أسقطت معركة الكرامة كثيراً من الأوهام. أسقطت أوهام الجهوية والعصبية، وأسقطت رهانات المتربصين الذين ظنوا أن السودان سيتفكك تحت ضغط الحرب والتمرد. فإذا بالشعب يزداد تماسكاً، وإذا بالجيش يزداد قوةً وصلابةً، وإذا براية الوطن ترتفع فوق كل الرايات.

 

لقد أثبتت معركة الكرامة أن الأوطان لا تُقاس في ساعات الشدة بما تملكه من عتاد فحسب، وإنما بما تختزنه في وجدان أبنائها من إيمان بقضيتها واستعداد للتضحية من أجلها. وحين ظن المتربصون أن السودان سينكسر تحت وطأة الحرب، جاءت الاستجابة الشعبية لنداء الاستنفار والتعبئة العامة لتؤكد أن هذا الوطن ما زال قادراً على استدعاء أفضل ما في أبنائه من عزم وبأس ووطنية.

 

لقد سقطت رهانات الفوضى، وتهاوت أوهام الذين ظنوا أن بإمكانهم انتزاع السودان من أهله أو عزل جيشه عن شعبه. وبقيت حقيقة واحدة تفرض نفسها على المشهد كله: أن السودان، كلما اشتدت عليه الخطوب، ازداد تمسكاً بدولته ووحدته وسيادته.

 

وفي نهاية المطاف، لن يذكر التاريخ من أثار الضجيج حول الانتماءات والرايات الصغيرة، بقدر ما سيذكر أولئك الذين وقفوا في اللحظة الفاصلة حيث يجب أن يقف الرجال، وانحازوا إلى وطنهم حين كان الوطن ينادي.

 

ففي معركة الكرامة لم يكن السؤال: من أي حزب أنت؟ ولا إلى أي تيار تنتمي؟ بل كان السؤال الأهم والأبقى هل وقفت مع السودان؟

 

وهنا يبدأ الجواب… وهنا تُكتب المواقف التي لا تموت.

‫شاهد أيضًا‬

{ولكن ليطمئن قلبي}، هل شك إبراهيم عليه السلام؟!

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ…