‫الرئيسية‬ مقالات نهاية الحرب وبداية الدولة  قراءة قانونية في إدارة الانشقاقات والعدالة الانتقالية
مقالات - ‫‫‫‏‫21 دقيقة مضت‬

نهاية الحرب وبداية الدولة  قراءة قانونية في إدارة الانشقاقات والعدالة الانتقالية

الخنساء محمد عثمان أحمد - المحامية الحقوقية.

رداً على مقال الدكتور محمد أحمد أبوبكر: “تآكل اليقين.. قراءة في ما لا تقوله الحرب”

 

تناول الدكتور محمد أحمد أبوبكر في مقاله ..ردا على مقال الإعلامي ضياء الدين بلال ..قراءة في ما لا تقوله الحرب” جملة من المؤشرات الاستراتيجية المرتبطة بمسار الحرب السودانية، متوقفاً عند دلالات الانشقاقات المحتملة، والتحولات في الخطاب السياسي والعسكري، والتغيرات التي تطرأ على البيئات الاجتماعية الحاضنة للصراع، باعتبارها جميعاً مؤشرات يمكن أن تعكس تآكل اليقين داخل البنية التنظيمية للأطراف المتحاربة.

 

وإذا كانت هذه القراءة قد عالجت القضية من منظور استراتيجي بالغ الأهمية، فإن الأمر يقتضي كذلك النظر إليها من زاوية قانونية ودستورية وعدلية انتقالية، لأن إدارة الحروب لا تنفصل عن إدارة آثارها القانونية والسياسية والاجتماعية.

 

فالانشقاقات في النزاعات المسلحة لا تُقاس فقط بعدد المنضمين أو المنسحبين، وإنما بما تتركه من آثار على مستقبل العدالة والاستقرار. ومن هنا يبرز السؤال القانوني: كيف يمكن للدولة أن تستفيد من الانشقاقات كوسيلة لتقليل كلفة الحرب وتسريع نهايتها، دون أن يؤدي ذلك إلى إهدار حقوق الضحايا أو تكريس الإفلات من العقاب؟

 

إن القاعدة القانونية المستقرة تقضي بأن المسؤولية الجنائية مسؤولية فردية، وليست جماعية، ولذلك لا يجوز التعامل مع جميع المنتمين إلى أي تشكيل مسلح بمعيار واحد. فهناك فرق بين من شارك في الانتهاكات وأصدر الأوامر ونفذ الجرائم، وبين من لم يثبت تورطه في أفعال مجرّمة أو اختار الانحياز إلى الدولة في مرحلة لاحقة.

 

غير أن الانشقاق في حد ذاته لا يمحو المسؤولية القانونية، ولا يسقط الحقوق الناشئة عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة، إذ تبقى المحاسبة جزءاً أصيلاً من بناء السلام المستدام، وتبقى العدالة شرطاً ضرورياً لإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

ولابد من النظر إلى ذلك من زاوية قانونية متكاملة، لا من زاوية استراتيجية أو عسكرية فحسب، إذ إن إدارة الانشقاقات والتحولات داخل أطراف النزاع يجب أن تخضع لمبادئ سيادة القانون والعدالة الانتقالية، بحيث لا تتحول ضرورات إنهاء الحرب إلى مبرر للإفلات من المساءلة، ولا تتحول المطالبة بالمحاسبة إلى عائق أمام تحقيق السلام.

 

فالتحدي الحقيقي أمام الدولة ليس فقط استيعاب المتغيرات العسكرية والسياسية، وإنما بناء معادلة متوازنة تجمع بين استعادة الأمن الوطني، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.

 

كما أن أي انشقاقات أو تسويات أو ترتيبات لإنهاء النزاع ينبغي أن تُقرأ في إطار مشروع وطني أشمل لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس دستورية وقانونية راسخة، لأن نجاح الدولة لا يقاس فقط بانتصارها في الميدان، وإنما بقدرتها على ترسيخ العدالة وحماية الحقوق بعد انتهاء الحرب.

 

ومن زاوية العدالة الانتقالية، فإن المنشقين يمكن أن يشكلوا مصدراً مهماً للحقيقة وكشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، الأمر الذي يسهم في تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، ويحول دون ضياع الأدلة أو طمس الحقائق المرتبطة بسنوات النزاع.

 

وعليه، فإن السؤال لا يقتصر على كيفية إدارة نهاية الحرب، بل يمتد إلى كيفية إدارة ما بعدها، لأن بناء السلام المستدام يبدأ من لحظة التفكير في آليات العدالة والمصالحة وإعادة الإعمار المؤسسي للدولة.

 

فالسؤال الحقيقي ليس:هل نقبل الانشقاق أم نرفضه؟

 

وإنما:كيف ندير الانشقاق باعتباره جزءاً من هندسة نهاية الحرب، دون التفريط في مقتضيات العدالة وسيادة القانون؟

 

ذلك أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار في المعارك، وإنما بقدرتها على تحويل نهاية الحرب إلى بداية جديدة للدولة، وبناء مؤسسات قادرة على حماية الحقوق، وترسيخ العدالة، وصناعة السلام المستدام.

‫شاهد أيضًا‬

أديس أبابا: وسيط أم طرف؟

كلما اقترب الحديث عن استئناف مسار سياسي لإنهاء الحرب في السودان، تعود أديس أبابا إلى واجهة…