السودان… نرفع الصخرة أم ننتظر سقوطها؟
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في الأسطورة الإغريقية لم يكن سيزيف رجلاً فاشلاً.
كان رجلاً ناجحاً بصورة مأساوية.
كان يصل كل مرة تقريباً.
ولهذا استحق العقاب.
لأن أقسى أنواع العذاب ليس أن تُمنع من الحلم…
بل أن يُسمح لك بالاقتراب منه دائماً دون أن تمتلكه.
أن نعيش عمرنا كله داخل المسافة بين الإمكان والتحقق.
أن تصبح حياتنا كلها محاولة.
هذا بالضبط ما يجعل قصة سيزيف أكثر خطورة مما تبدو.
فالصخرة لم تكن ثقيلة فقط…
ولم تكن تسقط عشوائياً… كانت تسقط دائماً بعد أن يصبح الوصول للقمة قابلاً للتصديق.
وهنا تبدأ الأسئلة الذي تخصنا نحن السودانيون:
> ماذا يحدث للمجتمعات التي تعيش طويلاً داخل منطق الاقتراب دون الوصول؟
> ماذا يحدث لشعب يصبح فيه الأمل عادة… والخيبة أيضاً عادة؟
> ماذا يحدث لو لم يعد السقوط استثناء…بل صار جزءاً من تصورنا الطبيعي للحياة؟
وربما هنا تبدأ #أصل_القضية السودانية.
ليس لأن السودان أكثر الشعوب ألماً ، ولا لأنه الوحيد الذي تعثر…. بل لأن شيئاً عميقاً حدث في وعينا عبر الزمن ، صرنا لا نخاف من الفشل بقدر ما صرنا نعتاد عليه.
》 نستغرب النجاح…
》 ونتعامل مع التعثر كأنه قانون طبيعي.
》 نفرح قليلاً…
》 ثم نخفض سقف التوقعات مبكراً حتى لا نتألم.
نبدأ المشروع وفي داخلنا مساحة صغيرة محجوزة للهزيمة.
○ نحب بحذر.
○ نثق بحذر.
○ نحلم بحذر.
ونبني الوطن أحياناً بالطريقة نفسها.
لكن المشكلة ليست هنا…
المشكلة الأخطر أن الإنسان حين يعتاد الألم لا يعود يسأل كيف يخرج منه… بل يبدأ في ترتيب حياته داخله.
وهنا تتحول الصخرة من عقوبة إلى هوية.
● تصبح الخيبة رأياً سياسياً.
● ويصبح التشاؤم ذكاءً.
● ويصبح السخرية من المحاولات نوعاً من النضج.
وتصبح الأسئلة والعبارات الأكثر تداولا:
○ السودانيين ديل عمرهم ما يتصلحوا..
○ الحرب غيرت شنو في الناس؟
○ الفايدة شنو؟
○ خربانة من كبارا
○ البلد دي كرهتنا الحياة ذاته
○ معليش ما عندنا جيش
○ دا كوز ساي
○ القحاتة خربوا البلد
○ دا حركات
○ دا عامل فيها فاهم
وهذه الأسئلة والعبارات أخطر من أي حرب.
لأن الحروب تهدم المدن.
أما هذه الأسئلة والعبارات مصممة لتهدم الإرادة التي تعيد بناء المدن.
ولذلك فإن الأزمة السودانية ربما ليست فقط أزمة موارد أو سلطة أو مؤسسات.
ربما هي أيضاً أزمة معنى…
أزمة مجتمع تعب من كثرة العودة إلى السفح حتى بدأ يشك أن القمة موجودة أصلاً.
ومن هنا يمكن فهم متلازمة «ذات السلاسل» بطريقة مختلفة ، لم يكن الضجيج المعرفي مجرد وفرة كلام.
كان محاولة جماعية لتعويض الإحساس بالعجز.
》 أن نتحدث أكثر لأننا لا نعرف كيف نحرك الواقع.
》 أن ننتج تفسيراً بعد تفسير لأن التنفيذ أصبح أكثر كلفة من التحليل.
》 أن نشعر أننا نشارك لأننا كتبنا.
لكن الحقيقة المؤلمة …
● أن كثرة الكلام لا تعني دائماً كثرة الحركة.
● وكثرة الوعي لا تعني دائماً كثرة التحول.
ولهذا فإن أخطر لحظة في تاريخ أي مجتمع ليست حين يعجز…
بل حين يخلط بين وصف الطريق والمشي فيه.
ومن منظور الجسر والمورد، فإن النهضة لا تبدأ عندما نجد الإجابات، النهضة تبدأ عندما نكسر العلاقة القديمة مع السقوط.
عندما لا نجعل الخيبة…
● دليلاً على الحكمة.
● ولا الألم دليلاً على العمق.
● ولا الفشل دليلاً على الواقعية
> لأن هناك فرقاً بين أن تتعلم من الجرح وبين أن تجعل الجرح عنوان هويتك.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس:
كيف نرفع صخرة السودان؟
السؤال الأهم:
> هل ما زلنا نحاول رفعها…أم أصبحنا فقط نحرس سقوطها؟
● إذا كانت كل مؤسسة نؤسسها ونحن نتوقع انهيارها…
● وكل فكرة نطرحها ونحن ننتظر فشلها…
● وكل مشروع نبدأه ونحن نكتب له مرثيته مبكراً…
فنحن لا نصعد بالصخرة.
نحن فقط نتأكد أنها ستسقط بصورة أنيقة ، ولهذا فإن الشجاعة ليست أن نكرر المحاولة.
الشجاعة..
》 أن نرفض أن تتحول المحاولة إلى طقس.
》 أن نعيد تعريف النجاح.
》 أن نسمح لأنفسنا أن نصدق أن بعض الصخور يمكن أن تستقر.
》 وأن بعض الجبال ليست أبدية.
》 وأن التاريخ ليس قدراً…
بل تفاوض طويل بين ما اعتدناه وما نستحقه.
ومن هنا يبدأ المعنى.
لا عندما نضمن الوصول.
بل عندما نرفض أن يكون السقوط هو اللغة الوحيدة التي نفسر بها أنفسنا.
> لهذا لسنا مطالبين بأن نَعِد أنفسنا بالقمة ، لكننا مسؤولون ألا نورّث أبناءنا الإيمان بأن السفح هو الوطن.
وهنا بالضبط #أصل_القضية
أديس أبابا: وسيط أم طرف؟
كلما اقترب الحديث عن استئناف مسار سياسي لإنهاء الحرب في السودان، تعود أديس أبابا إلى واجهة…





