هل حقًا لا يوجد نظام سياسي في الإسلام؟قراءة نقدية في مقال رشا عوض حول الحكم الإسلامي والشريعة
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

تتكرر بين الحين والآخر دعوات تنادي بفصل الإسلام عن الحياة العامة، وحصره في دائرة العبادات الفردية والجانب الروحي، وتزعم أن الإسلام لم يقدم تصورًا للحكم أو السياسة أو إدارة الدولة. ومن أحدث تلك الطروحات ما كتبته رشا عوض في مقالها حول الحكم الإسلامي والشريعة، حيث خلصت إلى أنه لا يوجد شيء اسمه نظام سياسي إسلامي، وأن السياسة متروكة بالكامل لاجتهاد البشر، وأن الشريعة ليست سوى اجتهادات بشرية ارتبطت بظروف تاريخية معينة.
وليس المقصود من هذا المقال الدفاع عن جماعة سياسية أو تجربة حكم بعينها، فالتجارب البشرية جميعها تحتمل الصواب والخطأ، وإنما المقصود مناقشة الفكرة من أصلها *هل حقًا لا علاقة للإسلام بالحكم والسياسة؟ وهل أخفقت الشريعة في تقديم أصول للحكم وإدارة المجتمع؟ وهل تصلح أحداث الفتنة التي وقعت بين الصحابة رضي الله عنهم دليلًا على نفي وجود نظام سياسي في الإسلام؟*
إن المنهج العلمي يقتضي العودة إلى مصادر الإسلام الأصلية من القرآن الكريم والسنة النبوية وفهم السلف الصالح وأقوال علماء الأمة، لا إلى الروايات المبتورة أو القراءات المتأثرة ببعض الكتابات الاستشراقية أو الرافضة او الشعوبية
*أولًا: الخلط بين الإسلام والإسلاميين*
من أكبر الأخطاء المنهجية الخلط بين الإسلام بوصفه وحيًا معصومًا، وبين الأحزاب والجماعات الإسلامية بوصفها اجتهادات بشرية. فالقرآن الكريم والسنة النبوية مصدران معصومان، أما الأحزاب والحركات السياسية فليست معصومة، ويجوز نقدها ومحاسبتها. ولهذا فإن فشل بعض الإسلاميين في الحكم لا يصلح دليلًا على فشل الإسلام، كما أن فساد بعض الحكومات الديمقراطية لا يبطل الديمقراطية، ولا أن أخطاء بعض الأنظمة العلمانية تبطل العلمانية. ولو جاز الحكم على المبادئ من خلال أخطاء المنتسبين إليها، لوجب الحكم على العلمانية بالفشل؛ لأن القرن العشرين شهد في ظلها حربين عالميتين قُتل فيهما عشرات الملايين، فضلًا عن الاستعمار الأوروبي الذي استنزف ثروات الشعوب وارتكب مجازر واسعة في آسيا وإفريقيا.
فالإنصاف يقتضي التمييز بين الدين وأخطاء بعض المنتسبين إليه.
*ثانيًا: هل ترك الإسلام السياسة بلا ضوابط؟*
يزعم بعض الكُتّاب أن الإسلام لم يقدم نظامًا سياسيًا لأنه لم يحدد شكل الدولة أو طريقة الانتخابات أو مدة الحاكم. وهذا فهم غير دقيق لطبيعة الشريعة.
فالإسلام لم يأتِ ليضع دستورًا إداريًا جامدًا لكل زمان ومكان، وإنما جاء بأصول ومقاصد وقواعد عامة تنظم الشأن العام.
ومن هذه الأصول:الحاكمية لله. العدل. الشورى. الأمانة. حفظ الحقوق. محاسبة الحاكم.
منع الظلم والاستبداد. قال تعالى:
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. وقال سبحانه:
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.
وقال:﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
فهل بعد هذه النصوص يمكن القول إن الإسلام لا يملك تصورًا للحكم؟
وقد قال الإمام الماوردي: “الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.” (الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص15). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين.” مجموع الفتاوى
*ثالثًا: مرونة النظام السياسي الإسلامي في اختيار الحاكم*
من أشهر الشبهات التي تثار أن الإسلام لم يحسم قضية الحكم لأن الخلفاء الراشدين وصلوا إلى السلطة بطرق مختلفة.
والحقيقة أن هذا الاختلاف دليل على مرونة النظام السياسي الإسلامي لا على غيابه.
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه اختير بالبيعة والشورى في سقيفة بني ساعدة. ثم استخلف أبو بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد مشاورة كبار الصحابة.ثم جعل عمر الأمر شورى بين ستة من كبار الصحابة فاختير عثمان بن عفان رضي الله عنه. ثم بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد استشهاد عثمان.فالأصول بقيت ثابتة: الشورى. البيعة. تحقيق مصلحة الأمة. منع الفوضى.
أما الوسائل فقد اختلفت باختلاف الظروف. وهذا يشبه اختلاف النظم الديمقراطية الحديثة بين النظام الرئاسي والبرلماني والملكي الدستوري دون أن يعني ذلك غياب النظام السياسي.
*رابعًا: فتنة الصحابة رضي الله عنهم*
يستدل بعض الكُتّاب بما وقع من أحداث الجمل وصفين والنهروان على أن الإسلام لم يحسم قضية الحكم. وهذا استدلال غير صحيح.
فوقوع الخلاف بين أتباع مبدأ ما لا يدل على بطلان المبدأ نفسه.
فأوروبا الحديثة شهدت حروبًا أهلية ودينية مدمرة، والولايات المتحدة شهدت حربًا أهلية، والعالم شهد حربين عالميتين، ومع ذلك لم يقل أحد إن الديمقراطية أو الدولة الحديثة باطلة بسبب تلك الأحداث.
أما أهل السنة والجماعة فقد قرروا أن ما وقع بين الصحابة كان عن اجتهاد وتأويل.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه العواصم من القواصم:
“وما جرى بين الصحابة من الحروب فكلهم فيه متأول مجتهد.”
” (العواصم من القواصم، تحقيق محب الدين الخطيب، ص232).
كما أكد شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصحابة كانوا أحرص الناس على الحق، وأن الفتنة التي وقعت لا يجوز اتخاذها مطعنًا فيهم ولا في الدين الذي حملوه للأمة. مجموع الفتاوى
*خامسًا: هل قرأت رشا عوض الإسلام من مصادره؟*
من يقرأ مثل هذه الطروحات يلاحظ أنها لا تنطلق من كتب السياسة الشرعية المعتمدة عند أهل السنة، كالأحكام السلطانية للماوردي، والسياسة الشرعية لابن تيمية، وغياث الأمم للجويني، والطرق الحكمية لابن القيم.
بل إن كثيرًا من هذه الشبهات نجد أصولها في بعض الكتابات الاستشراقية أو الروايات الطائفية _ ولاسيما الرافضة والشعوبية _ التي قرأت التاريخ الإسلامي من زاوية الصراع والفتنة.
ومن الإنصاف أن يقال إن المستشرقين أنفسهم ليسوا سواء.
*سادسًا: المستشرقون المنصفون وشهاداتهم للإسلام*
لم يكن جميع المستشرقين أعداء للإسلام. فالمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون أشاد بالحضارة الإسلامية ورأى أنها أسهمت في نهضة أوروبا. (حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، ص605). وقالت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه إن العرب والمسلمين كان لهم فضل عظيم على الحضارة الغربية.” (شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، ص21).
كما أثنى توماس أرنولد على التسامح الديني الذي عرفته المجتمعات الإسلامية مقارنة بكثير من الأمم الأخرى.(الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرين، ص88).
فإذا كان بعض الكُتّاب يستشهدون بالمستشرقين حين ينتقدون الإسلام، فمن الإنصاف أن يُذكر أيضًا من أنصفوا الإسلام وشهدوا لحضارته.
*سابعًا: الجزية وأهل الذمة بين الحقيقة والتشويه*
من أكثر الشبهات تداولًا الحديث عن الجزية وكأنها عقوبة دينية أو صورة من صور الاضطهاد.
والحقيقة أن الجزية كانت مقابل الحماية العامة التي توفرها الدولة الإسلامية لرعاياها غير المسلمين، مع إعفائهم من الواجبات العسكرية. وكان المسلمون في المقابل يدفعون الزكاة ويتحملون أعباء الدفاع عن الدولة.
ولهذا لم تكن الجزية تؤخذ من النساء أو الأطفال أو العجزة أو الرهبان المنقطعين للعبادة.
بل إن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه رد الجزية لأهل حمص عندما عجز المسلمون عن حمايتهم مؤقتًا، وهو موقف تاريخي يكشف طبيعة هذا النظام وعدالته.
وقد عاش اليهود والنصارى في ظل الدولة الإسلامية قرونًا طويلة محتفظين بمعابدهم وكنائسهم وشعائرهم الدينية.
*ثامنًا: الفتوحات الإسلامية بين التحرير والاستعمار*
تحاول بعض الكتابات تصوير الفتوحات الإسلامية وكأنها استعمار شبيه بالاستعمار الأوروبي الحديث. وهذا قياس غير صحيح.
فالمسلمون لم يذهبوا إلى البلدان المفتوحة لاستنزاف ثرواتها أو استعباد شعوبها، بل حملوا إليها نظامًا جديدًا يقوم على العدل وسيادة القانون. وقد ضمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العهدة العمرية لأهل القدس حماية كنائسهم وأموالهم وعدم إكراههم على دينهم. وبقيت الكنائس والأديرة قائمة في الشام ومصر والعراق قرونًا طويلة تحت الحكم الإسلامي.
ولهذا استقبلت بعض الشعوب المسلمين باعتبارهم منقذين من ظلم الإمبراطوريات المتسلطة التي كانت تحكمها قبل ذلك.
*تاسعًا: هل العلمانية هي الحل؟*
حين يُنتقد الحكم بالشريعة يُطرح أحيانًا البديل العلماني باعتباره الحل النهائي.لكن من الإنصاف إخضاع العلمانية نفسها للنقد.
فالقرن العشرون شهد: الحرب العالمية الأولى. الحرب العالمية الثانية. النازية والفاشية. الاستعمار الأوروبي. عشرات الانقلابات العسكرية. ملايين الضحايا في الأنظمة الشيوعية. كما شهد سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية، منها اغتيال أبراهام لنكولن، وجون كينيدي، والمهاتما غاندي، وإسحاق رابين، وأنور السادات. ولا يعني ذلك الحكم ببطلان العلمانية، ولكنه يعني أن أخطاء البشر لا يجوز أن تُجعل دليلًا على بطلان المبادئ.
فلماذا يطبق هذا المعيار على العلمانية ولا يطبق على الإسلام؟
*عاشرًا: الإسلام بين المثال والتجربة*
من الضروري التفريق بين الإسلام كنصوص ومبادئ، وبين تجارب المسلمين عبر التاريخ. فليس كل ما فعله المسلمون يمثل الإسلام.
كما أن الإسلام لا يمنح أحدًا احتكار الحديث باسمه. وفي الوقت نفسه لا يجوز إقصاؤه من الحياة العامة بحجة أخطاء بعض الجماعات أو التجارب السياسية.
فالإسلام جاء ليحقق العدل ويحفظ الحقوق ويقيم الموازين بين الناس.
وفي الختام إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل السودانيين اليوم ليس: هل نختار الإسلام أم نختار العلمانية؟ بل: كيف نبني دولة عادلة تحفظ الدين والحقوق والحريات، وتحارب الفساد والاستبداد، وتحقق التنمية والاستقرار؟ فالإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مشروع استبداد ولا أداة احتكار سياسي، وإنما كان مشروع هداية وعدل ورحمة. وإذا أخطأ بعض المنتسبين إليه فلا يجوز أن يُحاكم الإسلام بأخطائهم، كما لا تُحاكم الديمقراطية بأخطاء الديمقراطيين، ولا العلمانية بأخطاء العلمانيين.
إن الشريعة ليست مشكلة السودان، وإنما المشكلة الحقيقية في الظلم والفساد وسوء الإدارة.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام والحداثة، وإنما بين العدل والظلم، وبين الإصلاح والفساد، وبين الصدق والمتاجرة بالشعارات.
انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة الخامسة والثلاثون عزلة قسرية..!!
■ بعد سقوط المدن الكبيرة خيّم على قرى الجزيرة حال من الخوف والوجوم، وتبدل أمان البيوت وطم…





