هل أصبح فساد بعض الناس مبررًا لفساد الأخلاق؟
خواطر ابن الفضل د. محمد فصل محمد

أثار مقطعٌ متداول من حفل الفنان طه سليمان جدلًا واسعًا في وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد *ظهور مشاهد رأى كثيرون أنها لا تنسجم مع قيم المجتمع السوداني المحافظ ولا مع ما عُرف به من الحياء والاحتشام.بل مجلس المهن الموسيقية والتمثيلية السوداني اصدر بيانًا عبّر فيه عن رفضه واستنكاره للمشاهد المتداولة، واعتبر أن ما جرى يمثل إساءة للفن السوداني وقيمه ورسالته* غير أن بعض المعلقين لم يناقشوا هذه المشاهد في ذاتها، بل اتجهوا إلى مسارٍ آخر، فقالوا: *ماذا عن فساد الحكومات؟ وماذا عن أخطاء الإسلاميين؟ وماذا عن قضايا أخرى شهدها السودان في العقود الماضية؟*
وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: *هل أصبح فساد بعض الناس مبررًا لفساد آخرين؟*
إن المسلم لا يقيس الأمور بهذا الميزان المختل؛ *فالله تعالى لم يأمر بإنكار بعض المنكرات وترك بعضها الآخر، وإنما أمر بإنكار المنكر كله بحسب الاستطاعة،* فقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
*فإذا كان الفساد السياسي مرفوضًا، فإن الفساد الأخلاقي مرفوض كذلك*. وإذا كان *الظلم والاستبداد منكرًا، فإن التبرج والعري وإشاعة الفاحشة منكر أيضًا*. *وليس من العدل أن نشدد في إنكار أحدهما ثم نلتمس الأعذار للآخر*.
وليس الحديث هنا عن *حفلٍ بعينه أو شخصٍ بعينه، وإنما عن ظاهرة آخذة في الظهور، تتمثل في محاولات تطبيع بعض السلوكيات التي ظلت مرفوضة في المجتمع السوداني، وتصويرها وكأنها أمرٌ عادي أو جزء من التطور والانفتاح*.
وفي السياق نفسه، تداولت بعض المنصات الإعلامية تقارير عن هجرة *عددٍ من الفتيات السودانيات إلى دولٍ تنشط فيها صناعة عروض الأزياء*، وظهور بعضهن *بملابس لا تنسجم مع ما عُرفت به المرأة السودانية من الحشمة والوقار. وقد يسأل البعض: أليست الحاجة الاقتصادية سببًا لذلك؟*
والجواب أن الظروف الاقتصادية القاسية قد تفسر بعض التصرفات، لكنها لا تبررها شرعًا. *فالفقر لا يجعل الحرام حلالًا، كما أن الحاجة لا ترفع عن المسلم واجب الالتزام بأحكام دينه*. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
وقد عرف السودان عبر تاريخه نماذج مشرقة من النساء اللاتي جمعن بين العلم والكرامة والعفة. *فلم تُعرف المرأة السودانية بمكانتها لأنها كشفت جسدها أو استعرضت مفاتنها، وإنما عُرفت بدورها في التربية والتعليم والدعوة وخدمة المجتمع*. ويكفي أن التاريخ لا يزال يذكر *مهيرة بنت عبود رمزًا للعزة والشرف، كما يذكر في العصر الحديث *شخصيات علمية ودعوية بارزة مثل الدكتورة سعاد الفاتح البدوي وغيرها من النساء اللاتي قدمن نماذج مشرفة للمرأة المسلمة المعتزة بدينها وهويتها.*
أما الاستدلال *بأخطاء بعض الجماعات أو ما يُثار حول ما يسمى “جهاد النكاح” لتبرير مظاهر التبرج والانحلال، فهو استدلال فاسد من أساسه؛ لأن الشريعة لا تبيح معصيةً بسبب معصية أخرى، ولا تجعل خطأ شخصٍ أو جماعةٍ حجةً على غيرهم*. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
ومن الإنصاف أن يُقال: نعم، وقعت أخطاء سياسية كبيرة في تاريخ السودان الحديث، ووقعت مظالم وفساد وانحرافات من أفراد وجماعات وحكومات، لكن الواجب هو إصلاح تلك الأخطاء لا الانتقال من فسادٍ إلى فساد، ولا من انحرافٍ إلى انحراف.
*كما أن من الإنصاف أن يُقال: إن أخطاء بعض من رفعوا شعارات إسلامية لا تُنسب إلى الإسلام نفسه، وإن كان الواجب إنكارها ورفضها وعدم تبريرها أو التهوين من شأنها. وبالمعيار نفسه يجب إدانة الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت في ظل بعض التجارب الغربية الحديثة، من استعمارٍ للشعوب، وإبادةٍ للسكان الأصليين، واستعبادٍ للأفارقة، وما شهدته البشرية من حروبٍ عالمية مدمرة، دون أن يُجعل ذلك حكمًا نهائيًا على كل ما يُنسب إلى الديمقراطية أو العلمانية. فالعدل يقتضي محاسبة الجميع بميزانٍ واحد، فلا تُحمَّل أخطاء المنتسبين إلى الإسلام للإسلام نفسه، ولا تُعفى النظم والأفكار الأخرى من النقد والمساءلة عند وقوع الخطأ والانحراف.*
إن السودان اليوم *لا يحتاج إلى من يبرر الفساد السياسي، كما لا يحتاج إلى من يبرر التبرج والانحلال الأخلاقي، بل يحتاج إلى مشروع إصلاح يعيد للناس دينهم وأخلاقهم وعدلهم، ويجمع بين محاربة الظلم ومحاربة الفاحشة، لأن المجتمع لا يستقيم بأحدهما دون الآخر*.قال رسول الله ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير».
فإذا ضاع الحياء، سهل تبرير كل انحراف، وإذا بقي الحياء بقيت معه قيم المجتمع وأخلاقه وهويته.
“ديمغرافية أقاليم السودان وتناسبها مع النظام اللامركزي”
من أهم الوصايا التي خلّفها من تولّوا إدارة الحكم في السودان خلال فترات الديمقراطية الأولى …





